Ridván Messages
Arabic · Universal House of Justice
"قد ظهر كتابُ الله ونطقتِ الكلمةُ". بهذا البيانِ المنعشِ للأرواح يصف القلمُ الأعلى ظهورَ يوم اللّقاء ويومِ الحصاد. ويسترسل حضرةُ بهاءُالله بقوله: "يا أحبّاءَ الله، اسمعوا نداءَ المظلوم وتمسّكوا بما هو سببُ ارتفاعِ أمرِ الله." ويَمضي في نصح أتباعِهِ قائلاً: "تمسّكوا بالمشورة بكمال الرَّوْحِ والرّيحان، واصرفوا أعمارَكم النّفيسة في إصلاح العالم وانتشارِ أمرِ مالكِ القِدَم."
شركاءَنا في العمل الأعزاء: هذا البيانُ المحرّكُ للمشاعر إنّما يتبادرُ إلى الذّهن تلقائيًّا لدى مشاهدتنا جهودَكم المخلصةَ حول العالم تلبيةً لنداءِ حضرةِ بهاءالله. فاستجابةُ النّاس الباهرةُ لندائه مشهودةٌ في جميع الأطرافِ والأكنافِ بحيث يستحيلُ على النّفوس التي تتفكّر وتتأمّلُ في تكشُّفِ الخطةِ الإلهيّة وتقدُّمِها أن تتجاهلَ تأثيرَ قوّةِ الكلمة الإلهيّة الغالبةِ على قلوبِ النّساء والرّجال، والأطفال والشّباب، في قطرٍ تِلْوَ قطر، وفي مجموعة جغرافيّة تِلْوَ أخرى.
إنّها جامعةٌ منتشرةٌ في جميع أرجاء العالم، تعملُ على صقل قدرتِها من أجل أن تقرأَ واقعَها الحالي، وتُحلّلَ إمكانيّاتِها، وتوظّفَ أساليب وأدوات خطّة السّنوات الخمس بكلّ حصافة. وكما كان منتظرًا، فإنّ الخبرةَ تتراكمُ بسرعة أكبر في المجموعات الجغرافيّة التي يتمّ فيها توسيعُ آفاقِ التّعلُّمِ بكلّ وعي. في مجموعات جغرافيّة كهذه فإنّ الوسائلَ المتاحةَ لتمكين أعدادٍ متزايدةٍ من الأفراد من تعزيز قدرتِهم على الخدمة قد غدتْ مفهومةً تمامًا. فالمعهدُ التّدريبيّ النّبّاضُ بالحيويّة والنّشاط يعمل كدُعامةٍ أساسيّة لجهود الجامعة من أجل تقدّم الخطّة، والمهاراتُ والقدراتُ التي تطوّرت عن طريق المشاركة في دورات المعهد تُوظَّفُ في الميدان بأسرع ما يمكن. فالبعض، من خلال تفاعلاتهم الاجتماعيّة اليوميّة، يقابلون نفوسًا مستعدّة لبحث أمورٍ روحانيّةٍ بوضعيات مختلفة؛ والبعضُ الآخر يمكنهم تلبيةُ الاستعدادِ الرّوحاني للأفراد في القرى والأحياء وربّما ينتقلون للإقامة في تلك المناطق. وعدّةٌ عديدةٌ أخرى يأخذون على عواتقهم مسؤوليّاتٍ مختلفةً فينضمّون إلى صفوف الذين يخدُمون مرشدين ومحرّكين ومعلّمين لصفوف الأطفال؛ أو إلى الذين يعملون في الإدارة والتّنسيق؛ أو إلى الذين يَجْهَدون في دعم العمل القائم بطرق أخرى. إنّ التزامَ الأحبّاء بالتّعلُّمِ يتجلّى من خلالَ استدامةِ مساعيهم الفرديّةِ واستعدادِهِم لمرافقة الآخرين في جهودهم. علاوةً على ذلك، فإنّهم يضعون نُصبَ أعينهم المنظوريْن المتكامليْن لنمط العمل النّاشئ في المجموعة الجغرافيّة: أحدُهُما دوراتُ النّشاط ذات الثّلاثة أشهر- النّبضُ المُنْتَظَمُ لبرنامج النّموّ- والآخرُ المراحلُ المتمايزةُ لعمليّة التّعليم للأطفال، وللشّباب النّاشئ، وللشّباب والبالغين. وبينما يُدركُ الأحبّاءُ بوضوح العلاقة التي تربط بين هذه المراحل الثّلاثة، فإنّهم يعلمون بأنّ لكلّ منها ديناميكيّاتِها ومتطلّباتَها وميّزاتِها الخاصّة بها. وفوق ذلك كلّه، فإنّهم واعون بفعاليّة القوى الرّوحانيّة العظيمة التي يمكن ملاحظةُ آثارها في الإحصاءات الكميّةِ لتقدُّمِ الجامعة وفي مجموعة القصص التي تحكي عن إنجازاتها. وممّا يبعث على الأمل بشكلٍ خاصّ هو أنّ كثيرًا من هذه الخصائص البارزة المميَّزة التي تَسِمُ المجموعاتِ الجغرافيّةَ الأكثرَ تقدّمًا، تتجلّى أيضًا في جامعاتٍ لا تزال في بواكير مراحل نموّها وتطوّرها.
ومع ازدياد خبرة الأحبّاء، تزدادُ قدرتُهُم على ترويج نَمَطٍ غنّيّ متشابكٍ رائع من الحياة في المجموعة الجغرافية، نَمطٍ يستوعب المئاتِ بل وحتّى الآلافِ من النّاس. كم سُعِدْنا بمشاهدة البصائر العديدة التي يكتسبها المؤمنون من مساعيهم. على سبيل المثال، إنّ التّقدّمَ التّدريجي للخطّة على مستوى المجموعة الجغرافيّة هو عمليّةٌ ديناميكيّةٌ ومعقّدة بالضّرورة ولا يمكن اعتبارُها ظاهرةً بسيطة؛ وإنّ هذه العمليّة تتقدّم مع ازدياد القدرة على إعداد الموارد البشريّة وحُسن تنسيق وتنظيم أعمال القائمين على الخدمة في آن معًا؛ وإنّه مع ازدياد هذه القدرات، يغدو إدماجُ طيف أوسع من المبادرات أمرًا ممكنًا؛ وإنّ إضافةَ عنصرٍ جديدٍ إلى الخطّة تتطلّبُ إيلاءَهُ عناية خاصّة لبعض الوقت، إلاّ أنّ هذه العنايةَ لا تنتقصُ بأيّ وجه من الوجوه من أهميّة الجوانب الأخرى من المساعي الرّامية لبناء الجامعة، لأنّه إذا ما أُريدَ للتّعلُّمِ أن يكون نمطَ عمل الجامعة ينبغي التنبُّهُ للإمكانات التي تقدِّمها أيُّ أداة من أدوات الخطّة يتبيّنُ أنّها تناسبُ بشكلٍ خاص فترةً معيّنةً من الزّمن وتوظيفَ طاقةٍ أكبرَ في تطويرها إذا استلزم الأمر ذلك، إلاّ أنّ هذا لا يعني بالضّرورة أن ينشغلَ كلُّ شخص بنفس الجانب من الخطّة؛ وأنّه ليس ضروريًّا أن يُوجَّهَ التّركيزُ الرّئيسيُ لمرحلة التّوسّع في كلّ دورة من دورات برنامج النّمو لنفس الهدف، فقد تستدعي الظّروفُ في دورة معيّنة مثلاً أن ينصبَّ الاهتمامُ على دعوة النّفوس لاعتناق أمر الله من خلال جهودٍ تبليغيّةٍ مكثّفة فرديّةٍ أو جماعيّة، وفي دورةٍ أخرى قد يكون هذا التّركيزُ موجَّهًا نحو مضاعفة نشاطٍ معيّنٍ من الأنشطة الأساسيّة.
علاوةً على ذلك، فإنّ الأحبّاء يُدركون أنّ عمل أمر الله هو قبل كلّ شيء ظاهرةٌ عضويّة، يتقدّم في مناطق مختلفة بسرعات متفاوتة لأسبابٍ وجيهة، لهذا فإنّهم يبتهجون ويتشجّعون بأيّ تقدُّمٍ يرونه. وفي الواقع، إنّهم يثمّنون الفائدة التي تتأتّى عن مساهمة كلّ فرد في تقدّم الكلّ. وعليه، فإنّ الخدمةَ التي يُقدّمها كلّ واحد منهم وفق الإمكانيّات التي تتيحُها ظروفُه الشّخصيّةُ تَلقَى ترحيبًا من الجميع. إنّ اجتماعاتِ المراجعةِ والتّقييم تُعتبر، وعلى نحو متزايد، مناسباتٍ تكون فيها جهودُ الجامعة بمجملها محطَّ مداولاتٍ ومشاوراتٍ جادّةٍ منعشةٍ للأرواح، حيث يطّلعُ المشاركون فيها على مُجمل الإنجازات، ويفهمون مغزى مساعيهم في ضوء ذلك، ويُعزّزون معرفتَهُم بعمليّة النّموِّ من خلال الأخذِ بنصائح المؤسّسات والاستفادةِ من تجارب زملائهم المؤمنين. إنّ تجاربَ كهذه يتمّ تبادُلُها أيضًا في فضاءات عديدة أخرى تُعقد بهدف المشورة بين الأحبّاء المنهمكين في مساعٍ محدّدة، سواء كانوا يتابعون خطَّ عملٍ مشترك أو يخدُمون منطقةً معيّنةً من المجموعة الجغرافيّة. وجميعُ هذه البصائر تعتبر جزءًا من إدراكٍ أوسعَ ألا وهو أنّ التّقدُّمَ يُحرَزُ بشكلٍ أسهلَ بكثيرٍ في بيئة مُفْعَمة بالمحبّة، فالعيوبُ يتمّ التّغاضي عنها بحِلمٍ وأناة، والعقباتُ يتمّ تجاوُزُها بصبرٍ وجلَد، والمقارَباتُ المجرَّبةُ يتمّ تبنّيها بكلّ حماس. وهكذا، فمن خلال هداية المؤسّسات ووكالات أمر الله العاملةِ في مختلف المستويات، فإنّ جهودَ الأحبّاء، مهما كانت متواضعةً على الصّعيد الفردي، تتضافرُ معًا في جهد جماعيّ لضمان سرعة التّعرّف على الاستعداد الرّوحاني لتقبُّلِ نداء الجمال المبارك ورعايته بفاعليّة. من البديهيّ أنّ المجموعةَ الجغرافيّةَ التي تتوفر فيها هذه الشّروطُ تكون مكانًا تنشأ وتتطوّر فيه العلاقات بين الفرد والمؤسّسات والجامعة- أنصار الخطّة الثّلاثة- بشكلٍ سليم.
بالنّظر إلى هذه النّشاطات النّاجحة، هناك نقطةٌ جديرةٌ بالاهتمام على وجه الخصوص. ففي رسالة الرّضوان الموجّهة إليكم قبل ثلاث سنوات، أعربنا عن الأمل بأن يسعى الأحبّاءُ في المجموعات الجغرافيّة، التي يجري فيها برنامج مكثّف للنّمو، إلى تعلُّمِ المزيد عن طرق بناء الجامعة من خلال تأسيسِ مراكزَ للنّشاط المكثّف في الأحياء والقرى. إنّ الإنجازاتِ قد فاقت تطلّعاتنا، لأنّه حتى في المجموعات الجغرافيّة التي لم يصلْ فيها برنامَجُ النّموّ إلى درجة التّكثيف بعد، فإنّ جهودَ عِدَّةٍ معدودةٍ من الأشخاص للشّروع بنشاطات أساسيّة مع السكّان المقيمين في منطقة صغيرة قد أثبتت جدواها مرّة تلو الأخرى. إنّ هذه المقاربة في جوهرها تركّزُ على استجابة السّكان المستعدّين للتّحوّلِ الرّوحاني المنبعثِ من ظهور حضرة بهاء الله لتعاليمه والرّاغبين بالتّخلّي عن الفتور واللامبالاة التي غرستها قوى المجتمع في أذهانهم عن طريق مشاركتهم في العمليّة التّعليميّة التي يروِّجُ لها المعهدُ التّدريبي، وعِوَضًا عن ذلك يتّبعون أنماطَ عملٍ ثبُتت قدرتها على إحداث تحوّل في حياتهم. وفي الأحياء والقرى التي تقدّمت فيها هذه المقارَبَةُ لمدّة بضع سنوات وحافظ الأحبّاءُ فيها على تركيزهم، ظهرت بالتّدريج نتائجُ لافتةٌ للنّظر بشكلٍ واضح لا لبس فيه. فتمكينُ الشّباب يؤدّي إلى نهوضهم بمسؤوليّةِ تَقَدُّم مَنْ هم حولَهم من الشّباب الأصغر سنًّا. ويرحّبُ الكبارُ بمساهمة الشّباب في مناقشات هادفة حول شؤون الجامعة بأكملها. إنّ النّتائج التي تحقّقت من خلال العمليّة التّعليميّة للجامعة، عملت على بناء القدرة على المشورة لدى الجميع شيبًا وشبّانًا على حدٍّ سَواء، وأوجدت فضاءاتٍ جديدةً للحوار الهادف. ومع ذلك، فإنّ التّغييرَ والتّحوُّلَ ليس مقصورًا فقط على البهائيّين والأفراد الآخرين المنخرطين في النّشاطات الأساسيّة للخطة والذين يُتوقّع منهم منطقيًا أن يتبنَّوْا طُرُقَ تفكيرٍ جديدةٍ بمرور الوقت؛ فجوُّ المكان بحدّ ذاته يتأثّر، وموقفٌ تعبُّديٌّ يأخذ بالتّشكُّلِ لدى طيفٍ واسع من السّكان، ومظاهرُ التّعبير عن المساواة بين الرّجل والمرأة تصبح أكثرَ وضوحًا، وتعليمُ الأطفال من الذّكور والإناث يحظى باهتمام أعظم، وطابَعُ العلاقات داخلَ العائلة الذي شكّلته افتراضاتٌ عفا عليها الزّمن سيتغيّر بشكلٍ ملموس، ويسودُ شعورٌ بالمسؤوليّة تجاه المجتمع المحلّي والبيئة المحيطة بالفرد. حتى إنّ آفةَ التّعصّب التي تخيّم بظلالها المشؤومة على كلّ مجتمع، تبدأ بالاستسلام لقوى الوحدة والاتّحاد الغالبة. وقُصارى القول، فإنّ عمل الأحبّاء في بناء الجامعة إنّما يؤثّر على مختلف جوانب الثّقافة.
ومع استمرار تقدّم التّوسّع والاستحكام خلال السّنة الماضية، أخذت مجالاتٌ مهمّةٌ أخرى للنّشاط طريقَها في التّقدم أيضًا بشكل موازٍ لهما في الغالب. وأبرز مثال على ذلك هو أنّ التّقدّم في مستوى الثّقافة الذي يُشاهَد في بعض القرى والأحياء يُعزَى بحدٍّ كبير إلى التّعلّم النّاشئ من انخراط البهائيّين في العمل الاجتماعي. لقد أعدّ مكتبُ التّنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة لبيت العدل الأعظم حديثًا وثيقة بهذا الخصوص تضمّ عُصارةَ ثلاثين سنة من الخبرة المتراكمة في هذا المجال أيّ منذ تأسيس المكتب في المركز البهائي العالمي وحتّى يومنا هذا. ومن بين النّقاط التي وردت في هذه الوثيقة أنّ المشاركةَ في العمل الاجتماعي تستمدُّ قوّتَها الدّافعةَ الحيويّةَ من المعهد التّدريبي. ولا يكون هذا بسبب زيادة الموارد البشريّة فحسب، بل أثبتت التّجربةُ أنّ البصائرَ الرّوحانيّة والصّفاتِ والقُدُراتِ التي تغرسها عمليّة المعهد هي ضروريّة لعمليّة النّمو وتحظى بنفس الدّرجة من الأهمّيّة للمشاركة في العمل الاجتماعي. والنّقطة الأخرى التي توضّحها هذه الوثيقةُ هي كيف أنّ هناك إطارَ عملٍ مفاهيمي مشتركٍ دائمِ التّطوّر يتشكّل من عناصرَ تعزّزُ بعضَها البعض يحكُمُ جميعَ نشاطاتِ الجامعة البهائية، رغمَ أن هذه العناصرَ تجدُ لها تعبيراتٍ مختلفةً في ميادين العمل المتمايزة. لقد أرسلنا الوثيقةَ المذكورةَ إلى المحافل الرّوحانيّة المركزيّة مؤخّرًا. ونحن الآن ندعوهم، بالتّشاور مع المشاورين، للتّفكير في الطريقة التي يمكن للمفاهيم الواردةِ فيها أن تساعدَ على تقدُّمِ الجهود الجارية في العمل الاجتماعي في المناطق الواقعة تحت إشرافها، وكيف يمكن رفعُ مستوى الوعي بهذا البُعد الهامِّ من النّشاط البهائيّ. هذه الدّعوةُ يجب أن لا تُفَسَّرَ على أنّها دعوةٌ عامّةٌ لنشاط واسعِ النّطاق في هذا المجال، لأنّ الشّروعَ بالعمل الاجتماعي في جامعة نامية يَبرزُ بشكل طبيعيّ، بيد أنّ الوقتَ مواتٍ ليفكّر الأحبّاءُ مليًّا في آثار مساعيهم الرّامية إلى تحوّل المجتمع. إنّ الفورةَ في التّعلُّمِ الجاريةَ في ميدان العمل الاجتماعي تَزيد من أعباء مكتب التّنمية الاجتماعيّة والاقتصادية، ولهذا يجري اتّخاذُ خطوات لضمان تطوّرِ عملِ هذا المكتب بما يتناسب مع ذلك.
إحدى السّماتِ البارزةِ في الاثني عشر شهرًا الماضيةِ كانت تكرارَ ذكرِ اسم الجامعة البهائيّة فيما يتعلّق بالجهود العديدة المتنوّعة الرّامية إلى إصلاح المجتمع والتّعاون مع الجهات التي تماثلُها في الأفكار. فقد عبّر قادةُ الفكر في مختلف شرائح المجتمع، بِدءًا بالمحافل الدّوليّة إلى القاعدة الشّعبيّة في القرية، عن إدراكهم بأنّ البهائيّين لا يتمنَّوْنَ صلاحَ البشريّة من كلّ قلوبهم فحسب، بل يملكون تصوّرًا واضحًا ووسائلَ فعّالةً لتحقيق تطلّعاتهم. كما جاءت أيضًا تعبيراتٌ عن التّقدير والمؤازرة من بعض الجهات التي لم تكن متوقَّعَةً في السّابق. فعلى سبيل المثال، حتّى في مهد أمر الله، رغم ضخامة العراقيل التي يضعها الظالمون في طريق الجامعة البهائيّة، يتمّ الاعترافُ بالبهائيّين بشكل متزايد لما تحمله رسالةُ حضرة بهاءُالله من تأثيراتٍ عميقة على مستقبل بلدهم، ويُحتَرَمون لعزمهم الراسخ في المساهمة بتقدّم وطنهم.
إنّ معاناةَ الأحبّاء الأوفياء في إيران، خاصّة منذ العقود التي بدأت فيها الموجةُ الأخيرةُ من الاضطهادات، قد حَفَزَت إخوتَهم وأَخَواتِهِم في بلدانَ أخرى لينبروا للدّفاع عنهم. فمن بين المواهب الجزيلة التي أُسبغت على الجامعة البهائيّة في جميع أنحاء العالم بفضل هذه الاستقامة البنّاءة، تأسيسُ شبكةٍ مرموقةٍ من المكاتب المتخصّصة على الصّعيد المركزي والتي أثبتت قدرتَها على إقامة علاقات مع الحكوماتِ ومنظّماتِ المجتمع المدني على نحو منهجيّ. وبموازاة التوسّع في هذه المكاتب، ساهمت عمليّاتُ الخطط المتعاقبة في صقل مقدرة الجامعة على المشاركة في الحِوارات السائدة التي تجري في فضاءات مختلفة، من أحاديثَ شخصيّةٍ إلى منتدياتٍ عالميّة. وعلى مستوى القاعدة، فإنّ هذا العملَ يتّسع بشكل طبيعي عن طريق نفس المقاربة العضويّة التي تؤدّي إلى زيادة انخراط الأحبّاء في العمل الاجتماعي تدريجيًّا، ولا داعي لبذل محاولة خاصّة لتحفيزه. أمّا على المستوى المركزي، فإنّ المشاركةَ في الحوارات السائدة قد أصبحت غالبًا محطّ اهتمام هذه المكاتب التي تعمل حاليًّا في عشرات الجامعات المركزيّة، وتقوم بنشاطاتها وفقًا لنمط مؤثّر مألوف من العمل، والمراجعة والتّقييم، والمشورة، والدّراسة. ولتعزيز جهود كهذه، ولتسهيل التّعلّم في هذا المجال، ولضمان اتّساق هذه الخطوات مع مساعي الجامعة البهائيّة الأخرى، أسّسنا في المركز البهائي العالمي حديثًا "مكتبَ الحوارات العامّة" حتى يتولّى مساعدةَ المحافل الرّوحانيّة المركزيّة في هذا الميدان عن طريق تعزيز وتنسيق الأنشطة بشكل تدريجيّ والعمل على مَنْهَجَة الخبرة.
وهناك تقّدّمٌ مشجّع يجرى في مجالات أخرى أيضًا؛ ففي سنتياغو/ تشيلي، يجري العمل على تشييد أمِّ المعابد في أمريكا الجنوبيّة على قدمٍ وساق. لقد تمّ الانتهاء من صبّ الأساسات، وإكمال طابق التّسوية، ونَفَق الخدمات، والأعمدة التي سيقوم عليها المبنى الأصلي. إنّ مشاعرَ التّرقّب والإثارة المصاحبة لمشروع مشرق الأذكار هذا في تزايُدٍ مستمرّ، وهناك شعور مماثل يسود في الدّول السّبع المزمع تشييد مشارق أذكار محليّة أو مركزيّة فيها. ففي كلّ بلد منها بدأت التّحضيراتُ اللازمة، وبوشر باستخدام التّبرعات المقدَّمة من الأحبّاء لصندوق مشارق الأذكار؛ إلاّ أنّ الإجراءات العمليّة من قبيل شراءِ الأرض وإعدادِ تصاميم البناء وتأمينِ الموارد الماليّة اللازمة لا تمثّل سوى جانبٍ واحدٍ من شغل الأحبّاء. فمهمّتهم روحانيّة أساسًا تشارك فيها الجامعة برمّتها. ويشير حضرة عبد البهاء إلى مشرق الأذكار بأنّه "مغناطيس التّأييد الإلهيّ"، و"أساس الله العظيم"، و"الرّكن الرّكين لدين الله". ففي أيّ مكان يتأسّس هذا البُنيانُ العظيم، سيكون بطبيعة الحال جزءًا لا يتجزّأ من عمليّة بناء الجامعة المحيطة به. إنّ الوعيَ بهذه الحقيقة آخذ في الازدياد لدى أفراد المؤمنين في تلك المدن التي من المقرّر أن تُشيَّدَ فيها مشارق الأذكار. والأحبّاء في هذه المناطق يدركون بأنّ حياتَهم الجماعيّةَ ينبغي أن تعكس على نحو متزايد اتّحادَ العبادة والخدمة، هذا الاتّحادُ الذي يُجسّدُهُ مشرقُ الأذكار.
نرى الجامعةَ البهائيّة تتقدّم في كلّ ميدان من الميادين المختلفة بخطى ثابتة، متوسّعةً في مداركها، توّاقةً لاكتساب بصائرَ مُستقاةٍ من التّجربة، مستعدّةً للقيام بواجباتٍ جديدةٍ عندما تسمح مواردُها بذلك، سريعةَ الاستجابة للاحتياجات الجديدة، واعيةً بالحاجة إلى ضمان الاتّساق بين مختلف ميادين النّشاط التي تشارك فيها، ومكرِّسةً نفسَها تمامًا للإيفاء بمهمّتها. إنّ حماسها وتفانيها يتجليّان في اللهفة العارمة التي ولّدها الإعلانُ عن انعقاد خمسةٍ وتسعين مؤتمرًا للشّباب في جميع أنحاء العالم قبل شهرين. فسرورُنا الغامرُ ليس مردُّهُ استجابةَ الشّبابِ أنفُسِهِم فحسب، بل أصواتَ الدّعمِ التي ارتفعت من زملائهم المؤمنين الذين يدركون كيف أنّ أتباعَ حضرةِ بهاءُالله الأصغر سنًّا يعملون بمثابة محفّز حيوي لهيكل أمر الله بكامله.
قلوبُنا مفعمةٌ بالأمل بما نراه من شواهد متتالية على انتشار رسالة حضرة بهاءالله الشّافية، واتّساعِ نطاقِ تأثيرها ونفوذها، وازديادِ الوعي بما تكتنزه من مُثُلٍ عُليا. في موسم الأعياد هذا دعونا نفرح بذكر أيّام فيها ظهر "الفرحُ الأعظم"، أيّامِ عيد الرّضوان قبل قرن ونصف من الزّمان التي أعلن الجمالُ الأقدس الأبهى فيها عن دعوته لأوّل مرّة لأصحابه في "حديقة النّجيبيّة". فمن تلك البقعة المقدّسة، انتشرت كلمة الله في المدن والدّيار وفي البرّ والبحر تدعو البشريّةَ إلى لقاء ربّها. ومن هذه الثّلة الأولى النّشوى من مُدام العشق الإلهي ظهرت جامعةٌ متنوّعة ذات هدف، وتفتّحت كأزهار مختلفة الألوان في البستان الذي تعهّدته يدُ العناية الإلهيّة. ومع مرور كلّ يوم، تتوجّه نحو مرقده الأطهر أعدادٌ متناميةٌ من النّفوس التي بُعثت من جديد رافعةً أكّفَّها بالدّعاء والمناجاة، ونحن أيضًا في نفس هذا المقام الأطهر، وإحياءً لذكرى ذلك اليوم المبارك، نضع رؤوسنا على عتبته المقدّسة بكل تضرّع وابتهال شاكرين وممتنّين لكل المواهب التي أسبغها حضرته على جامعة الاسم الأعظم.
توقيع: بيت العدل الأعظم
إلى البهائيين في العالم رسالة الرضوان 2013 ص 7
ها قد حلّ موسم الرّضوان البهيّ، ومن الذُّرى الّتي بلغتها جامعة الاسم الأعظم تلوح في الأفق أمامنا مشاهد مشرقة. لقد تمّ طيُّ مسافاتٍ شاسعة: ظهرت برامجُ نموٍّ جديدة، وبينما ما زالت هناك مئاتٌ أخرى يجب أن تبرز خلال الأشهر الإثني عشر المقبلة، فإنّ الجهود قد بدأت فعلًا لإطلاق النّمط اللّازم من النّشاط في كلّ المجموعات الجغرافيّة تقريبًا من تلك المتبقّية لتحقيق هدف خطّة السّنوات الخمس لتأسيس برامج نموٍّ في 5000 مجموعة جغرافيّة في أرجاء العالم. إنّ برامج النّموّ الحاليّة تكتسب قوّةً، ويتجلّى واضحًا في العديد منها معنى انتشار أمر الله على نحو أكبر في المحيط الاجتماعيّ لمجموعةٍ جغرافيّة وضمن حيٍّ أو قرية. والسُّبُل الّتي تفضي إلى توسّعٍ واستحكامٍ واسعيّ النّطاق ومستداميْن يجري اتّباعها بخطًى أكثر ثباتًا، خطًى غالبًا ما يُحدّد الشّبابُ الشّجعانُ سرعةَ وتيرتها. والطّرق الّتي يمكن بها إطلاق قوّة بناء المجتمع الّتي يكتنزها أمر الله في بيئات شتّى قد أصبحت أكثر وضوحًا، وتلك السّمات الخاصّة الّتي تشير إلى مزيدٍ من التّقدّم لعمليّة النّموّ في المجموعة الجغرافيّة أضحت قابلةً للتّمييز تدريجيًّا.
(2) إنّ الدّعوة للنّهوض بهذا العمل ودعمه موجّهةٌ إلى كلّ فردٍ من أتباع حضرة بهاء الله، وتستدعي استجابةً من كلّ قلب يتألّم على أوضاع العالم البائس وأحواله المُزرية بحيث لم يعد بمقدور الكثير من النّاس أن يجدوا لها فرجًا ومخرجًا. ذلك لأنّ العمل المتّسم بالمنهجيّة والعزم والتّفاني والّذي يتمّ ضمن إطار العمل الواسع للخطّة إنّما هو في المآل أعظم استجابةٍ بنّاءة من جانب كلّ مؤمنٍ مهتمّ تؤرّقه الأسقامُ المتفشيّة في مجتمعٍ يعمّه الفساد. خلال العام المنصرم، اتّضح بشكلٍ أكبر أنّ التّوافق الاجتماعيّ حيال المثُل العُليا الّتي كانت في العادة توحّد أفراد الأمّة وتربطهم معًا قد ازداد وهنًا وضعفًا في مختلف الأمم وبشتّى الطّرق. ولم يعد يعوّل عليه للوقوف في وجه أيدولوجيّات متنوّعة متعصّبة سامّة تخدم مصالحها الذّاتيّة وتتغذّى على مشاعر السّخط والاستياء. وفي عالم متناقض أقلّ ثقة بنفسه مع مرور كلّ يوم، فإنّ أنصار هذه العقائد الهدّامة يزدادون جرأة ووقاحة. وهنا نستذكر البيان الواضح النّازل من القلم الأعلى: "يَهطَعُون إلی النّار ويَحسَبُون أنَّها نور." أمّا قادة الدّول سليمو الطّويّة والشّعوب حسنة النيّة فقد تُركوا يكافحون لرأب التّصدّعات الظّاهرة في المجتمع وهم عاجزون عن الحدّ من انتشارها. وآثار كلّ ذلك تُشاهَد ليس في الصّدام المباشر أو في انهيار النَّظم فحسب، بل وكذلك في انعدام الثّقة الّذي يقلّب الجارَ ضدّ جاره ويمزّق الرّوابط الأسريّة، والتّنافر في الكثير ممّا يُعتبر حوارًا اجتماعيًّا، والسّهولة الّتي تُستخدم بها الإغراءات لاستثارة غرائز الإنسان الدُّنيا من أجل الوصول إلى السّلطة وتكديس الثّروات — في كلّ ذلك تكمن دلائل جليّة على أنّ القوّة الأخلاقيّة الّتي تعمل على الحفاظ على المجتمع قد استُنزفت على نحوٍ خطير.
(3) إنّ ما يبعث على الاطمئنان هو إدراكنا بأنّ نوعًا جديدًا من الحياة الجماعيّة يتشكّل في خضمّ عمليّة الهدم هذه لتُبرز عمليًّا جميع الخصال الملكوتية المودعة في الإنسان. لقد لاحظنا، وخاصّة في تلك الأماكن الّتي تمّ فيها الحفاظ على تكثيف نشاطات التّبليغ وبناء المجتمع، كيف تمكّن الأحبّاء من حماية أنفسهم من قوى الماديّة الّتي تهدّد باستنزاف طاقاتهم الثّمينة. ليس هذا فحسب، بل في إدارة وقتهم للتّعامل مع مختلف الواجبات الأخرى، لا يحيدون بصرهم قيد أُنمُلَة عن المهام المقدّسة الملحّة الماثلة أمامهم. مثل هذا التّنبُّه لاحتياجات أمر الله ومصالح الإنسانيّة مطلبٌ ضروريّ في كلّ جامعة. فحيثما يتأسّس برنامج للنّمو في مجموعة جغرافيّة بكر، نرى كيف أنّ بادرة النّشاط الأولى تظهر من مؤمن مخلص حُبًّا لحضرة بهاء الله. ورغم درجات التّعقيد الّتي يجب في المآل التّكيّف معها أثناء مراحل نموّ الجامعة، فإنّ كافّة النّشاطات تبدأ بهذا الخيط الرّفيع من المحبّة. إنّه اللُّحمة الّتي يُنسج منها نمط من الجهد المكثّف المتّسم بالصّبر، دورةً بعد أخرى، لتعريف الأطفال والشّباب والبالغين بالأفكار الرّوحانيّة؛ لرعاية حسّ العبادة من خلال اجتماعات الدّعاء والتّعبّد؛ لتحفيز أحاديث تنوّر الفهم والإدراك؛ لتمكين أعداد متنامية من دراسة الكلمة الإلهيّة الخلّاقة على مدى الحياة وترجمتها إلى أعمال؛ لتطوير القدرة مع الآخرين على الخدمة؛ ولمرافقة بعضنا بعضًا في تطبيق ما تعلّمناه. أيّها الأحبّاء الأعزّاء، أحبّاء الجمال الأقدس الأبهى: ندعو لكم بحرارة في كلّ مناسبة نمثُل فيها لدى عتبته المقدّسة أن يهبكم حبّ حضرة بهاء الله القوّة لتكريس حياتكم لأمره المبارك.
(4) إنّ البصائر الغنيّة المتولّدة من المجموعات الجغرافيّة، ومن مراكز النّشاط المكثّف فيها، حيث احتضنت ديناميكيّة حياة الجامعة أعدادًا غفيرة من النّاس، لهي جديرة بالذّكر بشكل خاصّ. إنّنا سعداء لرؤية كيف أنّ ثقافة الدّعم المتبادل، القائمة على الزّمالة والخدمة المتواضعة، قد أرست قواعدها بشكلٍ طبيعيّ في مثل هذه الأماكن، متيحة المجال لاحتضان أعداد أكبر وأكبر من النّفوس على نحو منهجيّ في نشاطات الجامعة. ففي الحقيقة، إنّ حركة مجموعة من السّكان نحو رؤيا حضرة بهاء الله لمجتمع جديد لم تعد، في أماكن متزايدة، مجرّد احتمالٍ رائع بل واقع آخذ في البروز.
(5) وهنا نودّ توجيه بضع كلمات لأولئك الّذين لم يشهدوا في محيطهم تقدّمًا ملحوظًا بعد ويتوقون للتّغيير. تشبّثوا بالأمل، فلن يستمرّ الحال على هذا المنوال. ألم يزخر تاريخ أمرنا المبارك بقصص عن بدايات متعثّرة لكن نتائج باهرة؟ فكم من مرّة نجحت أعمال حفنةٍ من المؤمنين-شيبًا أو شبابًا- أو عائلة واحدة أو حتّى نفس وحيدة فريدة، عندما أيّدتها قوة المدد الإلهيّ، في نشوء جامعات نبّاضة في أجواء تبدو غير مضيافة؟ لا تتصوّروا أنّ واقعكم مختلف. فالتّغيير في مجموعة جغرافيّة، سواء حدث بسهولة ويُسر أم بمشقّة وصعوبة، لا يتأتّى عن انتهاج صيغة محدّدة مُسبقًا، ولا ينجم عن نشاط عشوائيّ؛ بل يتقدّم بإيقاع خطواتٍ من العمل، والمراجعة والتّقييم، والمشورة، ويندفع بخططٍ هي ثمار التّجربة. وعلاوة على ذلك، فإنّ خدمة المحبوب بحدّ ذاتها، وبغضّ النّظر عن نتائجها المباشرة، هي للرّوح مصدر سرور موفور. فلتكن القدوة المتمثّلة في أشقّائكم الرّوحانيّين في مهد الأمر مصدر شجاعة لكم، انظروا كيف أنّ نظرتهم البنّاءة، وقدرتهم على التّكيّف كجامعة، واستقامتهم في ترويج الكلمة الإلهيّة، أحدثت تغييرًا في مجتمعهم على مستوى الفكر والعمل. إنّ الله معكم، مع كلّ واحد منكم. كلّنا أمل أن تتقدّم كلّ جامعة بهائيّة من موقعها الحالي إلى موقع أكثر قوّة في الأشهر الإثني عشر المتبقّية من الخطّة.
(6) إنّ أعمال التّوسع والاستحكام فائقة الأهميّة تضع أساسًا متينًا لمساعي العالم البهائيّ في العديد من المجالات الأخرى. ففي المركز البهائيّ العالميّ، تتكثّف الجهود للقيام بتصنيف وفهرسة محتوى آلاف الألواح المباركة الّتي تشكّل ذلك الإرث النّفيس اللامحدود، ألا وهو الآثار المقدّسة لأمرنا المبارك الّتي أودعت أمانة من أجل صالح البشريّة قاطبة — وذلك من أجل تسريع نشر مجلّدات من الآثار المباركة، بلغتيها الأصليّتين وترجمتها الإنجليزيّة. والمساعي المبذولة من أجل تأسيس ثمانية مشارق أذكار، تلك البيوت المقدّسة الّتي تُرفع لذكر الله، مستمرّة على قدمٍ وساق. وعمل الشّؤون الخارجيّة على المستوى المركزي قد ازداد تأثيرًا ومنهجيّةً بشكلٍ ملحوظ، وتمّ تحفيزه أكثر بإصدار وثيقة تستقي من الخبرة الواسعة الّتي تولّدت على مدى العقدين الماضيين وتوفّر إطار عمل موسّع لتطوير هذه المساعي في المستقبل، وقد أُرسلت إلى المحافل الرّوحانيّة المركزيّة قبل ستّة أشهر مضت. وفي غضون ذلك، تمّ افتتاح مكتبين جديدين للجامعة البهائيّة العالميّة في أديس أبابا وجاكرتا شقيقين لمكتب الأمم المتّحدة في نيويورك وجنيف ومكتب بروكسل، وبذلك اتّسعت الفرص لتقديم الرّؤى المستمدّة من أمر الله على المستوى الدّولي في أفريقيا وجنوب شرق آسيا. مدفوعة باحتياجات النّموّ في أغلب الأحيان، يعكف طيفٌ واسعٌ من المحافل الرّوحانية المركزيّة على بناء قدراتها، ويتّضح ذلك في الإدارة الحكيمة للموارد المتاحة لها، وفي جهودها لتكون على دراية بأحوال جامعاتها عن كثب، وحرصها على أن يزداد تسيير أعمال مكاتبها المركزيّة كفاءةً؛ إنّ الحاجة إلى منهجة مجموعة المعارف المُبهرة والمتراكمة الآن في هذا المجال استدعت تأسيس "مكتب تطوير النّظُم الإداريّة" في المركز العالميّ. ومبادرات العمل الاجتماعيّ بمختلف أشكاله في تزايدٍ مستمرّ في العديد من البلدان، ممّا جعل بالإمكان تعلّم الكثير عن كيفيّة تطبيق الحكمة المكنوزة في التّعاليم الإلهيّة لتحسين الظّروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة؛ كم هو واعد هذا الميدان بحيث قمنا بتعيين هيئة استشاريّة عالميّة من سبعة أعضاء لمكتب التنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وبذلك دخل المكتب المرحلة التّالية من تطوّره. وسيخدم ثلاثة أعضاء من الهيئة كفريق منسّق للمكتب وسيقيمون في الأرض الأقدس.
(7) في هذا الرضوان إذًا، بينما نرى الكثير ممّا يجب إنجازه، نرى أعدادًا جمّةً مستعدّةً للقيام به. ففي آلاف المجموعات الجغرافيّة والأحياء والقرى تفيض ينابيع عذبة من الإيمان والإيقان تبهج وتحيي أرواح الذين استقوا من مائها. في بعضها، يبدو الفيض جدولاً متدفّقًا، وفي أخرى أصبح نهرًا واسعًا. ليس هذا وقت الاسترخاء على الشّاطئ بل هو أوان الخوض في غمار هذا السّيل المُتدفّق.
توقيع: بيت العدل الأعظم
بافتتاحِ هذا الموسمِ المجيدِ بُهرت أعيننا بمشاهدةِ تألّق القبّةِ المُذهّبةِ التي تتوّجُ المقامَ الأعلى والتي كُشف النّقاب عنها حديثًا. فذلك الصّرحُ المَهيب، وقد عاد إليه بهاؤه السّماويُّ الذي أراده له حضرة شوقي أفندي، يتلألأ مرّة أخرى على البرّ والبحر والسّماء، ليلاً ونهارًا، ليشهد على سلطانِ وقداسةِ ذاك الذي يحتضنُ المقامُ رفاتَه المقدّسة بين جَنَباتِه.
وتتزامن لحظةُ الفرح هذه مع اختتام فصلٍ ميمونٍ من تكشّفِ الخطّةِ الإلهيّة، ويبقى عقدٌ واحدٌ فقط من القرن الأوّل من عصر التّكوين، المئةُ سنةٍ الأولى التي ستمضي في الظلّ الظّليل لألواحِ وصايا حضرةِ عبدِ البهاء. إنّ خطّةَ السّنواتِ الخمسِ التي تنتهي الآن تتبعها خطّةٌ أخرى سبق وأن وُضعت معالمُها قيد دراسةٍ مستفيضةٍ في أنحاء العالم البهائيّ. وفي الحقيقة، لا يمكن أن نكونَ أكثرَ امتنانًا لما لمسناه من استجابةٍ لرسالتِنا الموجّهةِ لمؤتمرِ هيئاتِ المشاوَرين القاريّة ولرسالة الرّضوان للإثني عشر شهرًا الماضية. فالأحبّاءُ غير مكتفين بفهمٍ جزئيٍّ لمحتوياتهما، يعودون إلى هاتين الرّسالتين مرّةً بعد أخرى، أفرادًا وجماعات، في جلساتٍ رسميّةٍ واجتماعاتٍ عَرَضيّة. وقد أثرت فهمهم هذا مشاركةٌ فاعلةٌ وواعية، في برامج النّموِّ التي تتمُّ رعايتُها في مجموعاتِهم الجغرافيّة. ونتيجةً لذلك، فإنّ الجامعةَ البهائيّة في جميع أنحاءِ العالمِ قد استوعبت بوعيٍ وفي غضونِ بضعةَ أشهرٍ ما تحتاجُه لتندفعَ إلى العقدِ القادمِ بكلّ ثقة.
وخلالَ الفترة نفسِها، هزّت أحداثٌ متصاعدةٌ من الثّوَران السّياسيّ والاضطرابِ الاقتصاديّ حكوماتِ وشعوبِ في مختلفِ القارّات، ودفعت بمجتمعاتٍ إلى شفير الثّورة، وفي حالاتٍ لافتةٍ هَوَت فيها. ويجدُ القادةُ أنّه لا السّلاحَ ولا الثّروةَ يضمنان الأمنَ والاطمئنان. فحيثما تمضي تطلّعاتُ الشّعوبِ دون تحقيقٍ، يتولّد سُخطٌ عارم. إنّنا نستذكر بأيّة شدّة حذّر حضرةُ بهاء الله حكّامَ الأرض: "لا تحمّلوا على الرّعيّةِ فوق طاقتِهم... إنّهم خزائنُكُم إيّاكم أن تحكموا عليهم ما لا حَكَم به الله وإيّاكم أن تسلّموها بأيدي السّارقين." كلمة تحذيريّة: مهما كان مشهدُ حماسِ النّاسِ المتّقدِ للتّغيير آسرًا إلاّ أنّه يجب التّذكّرُ بأنّ هناك مصالحًا تتلاعبُ بمجرى الأحداث. وأنّه طالما لم يُقدَّم العلاجُ الذي وصفه الطّبيبُ الإلهيّ فإنّ بلايا هذا العصر ستستمرُّ وتشتدّ. إنّ المراقبَ المتنبّهَ سيلحظُ بسهولةٍ تسارعَ الهدْم الجاري بطفراتٍ متقطّعةٍ لكن دون هوادة لنظامٍ عالميٍّ قاصرٍ قصورًا مفجعًا.
ومع ذلك، يمكن ملاحظةُ نظيرٍ لهذا أيضًا، فالعمليّة البنّاءةُ التي قرَنَها حضرة وليّ أمر الله مع "دين حضرة بهاءالله الوليد" ووصفها بأنّها "بشيرُ النّظم العالميّ الجديد الذي سُرعان ما سوف يؤسّسه أمرُ الله." يمكن مشاهدة تأثيرِها غيرِ المباشر في المشاعرِ المتدفّقة، من الشّباب على وجه الخصوص، التي تنبعُ من التّوقِ للمساهمةِ في التّنمية المجتمعيّة. إنّه فضلٌ أُسبغ على أتباعِ جمالِ القِدَم بأنّ يكونَ هذا التّوقُ النّابعُ بلا ريبٍ من الرّوح الإنسانيّ في كلّ أرضٍ قادرًا على أن يجدَ له تعبيرًا بليغًا كهذا في المساعي التي تقوم بها الجامعةُ البهائيّةُ لبناء القدرةِ على العملِ الفعّالِ بين مختلف سكّانِ المعمورة. فهل من شرفٍ يضاهي هذا الشّرف؟
ولاكتسابِ بصيرةٍ حيال هذا العمل، على كلُّ مؤمنٍ أن ينظر إلى حضرةِ عبدالبهاء، الذي تُصادفُ في هذه الآونة الذّكرى المئويةُ "لرحلاتِه التّاريخيّةِ" إلى مصرَ والغرب. لقد قام حضرتُه، دون كلَلٍ أو ملَلٍ، بشرحِ التّعاليم في كلّ فضاءٍ اجتماعيٍ: في المنازلِ وقاعاتِ الإرساليّات، والكنائسِ ومعابدِ اليهود، والمتنزّهاتِ والميادينَ العامّة، وعرباتِ القطار والسّفنِ العابرة للمحيطات، والنّوادي والجمعيّات، والمدارسِ والجامعات. ودونَ مساومةٍ في الدّفاعِ عن الحقيقة، ولكن بسلوكٍ يتّصف باللّطفِ اللاّمتناهي، أوضحَ حضرتُه مواءمة المبادئِ الإلهيّةِ العالميّةِ ومقتضياتِ العصر. لقد منح حضرتُه المحبّةَ والحكمةَ والسّلوى، وأيّة حاجة خاصّة أخرى مهما كانت، للجميعِ دون تمييز- مسؤولينَ وعلماءَ وعمّالٍ وأطفالٍ وآباءٍ ومنفييّنَ ونُشطاءَ وقساوسةٍ وشكوكيّين. وبينما كان يسمو بأرواحِهِم، تحدّى افتراضاتهِم، وعدّل وُجهاتِ نظَرهِم، ووسّع مداركَهُم، وركّز طاقاتِهِم. وقد أظهرَ من الرأفةِ والكرمِ قولاً وفعلاً ما قلّب القلوبَ تمامًا، فلم يرجعْ أحدٌ عن بابِه خائبًا. يحدونا عظيمُ الأملِ بأنّ استذكارَ مآثرِ حضرة المولى الفريدةِ باستمرارٍ خلالَ فترةَ الذّكرى المئويّةِ هذه سيُلهم مُعجَبيه المخلصين ويعملُ على ثباتهم. اجعلوا مثَلَه الأعلى نَصْب أعينكُم واشخصوا بأبصاركُم إليه، وليكن لكم هاديًا وجدانيًّا في سعيِكم لتحقيق هدف الخطّة.
في بداية أوّل خطّةٍ عالميّةٍ للجامعةِ البهائيّة، وصفَ حضرةُ شوقي أفندي بلغةٍ نافذةٍ المراحلَ المتعاقبةَ التي من خلالها اشتعل النّورُ الإلهيُّ في سياه ﭽال، واكتسى بزجاجِ الظّهورِ في بغداد، وانتشرَ إلى أقطارٍ في آسيا وأفريقيا، وفي الوقتِ نفسِه سطَعَ بإشراقٍ أشدّ في أدرنه وبعد ذلك في عكّاء، وانعكس بشدّةٍ عبرَ البحارِ إلى بقيّة القّارات، وبعدها عمّ تدريجيًّا في أنحاء دول العالم وتبعيّاته. وقد وصف حضرته الجزء الأخير من هذه العمليّة بأنّه "نفاذ هذا النّور...إلى سائر أقاليم العالم." مشيرًا إليه بأنّه "المرحلة التي يعمّ فيها نور أمر الله الغالب السّاطع بكلّ قوّته ومجده ويحيط الكوكب بأسره". ومع أنّ تحقيق ذلك الهدف لا يزال بعيدًا، إلاّ أنّ النّور قد توهّج فعلاً في العديد من الأقاليم. ففي بعضِ الأقطارِ يضيء في كلِّ مجموعةٍ جغرافيّةٍ، وفي الأرضِ التي اشتعلَ فيها لأوّل مرّة ذلك النّور الذي لا يُطفأ، فإنّه يسطعُ بقوّةِ رغمًا عن الذين يريدون إخمادَه. وبين أممٍ متعدّدةٍ يلتهبُ باطّراد ليعمَّ أحياءً وقرىً بكامِلها ويدُ العنايةِ الإلهيّةِ تُشعلُ شمعةً تلو شمعةٍ في قلبٍ بعد قلب. فإنّه يُنيرُ أحاديثَ عميقة تجري على جميعِ مستوياتِ التّفاعلاتِ الإنسانيّة، ويُلقي بأشعّتِه على مبادراتٍ لا تعدُّ ولا تُحصى ترمي إلى ترويجِ خيرِ النّاسِ وصلاحِهم. وفي كلِّ حدثٍ، يشعُّ هذا النّورُ من مؤمنٍ مخلصٍ، وجامعةٍ نبّاضةٍ، ومحفلٍ روحانيٍّ محبٍّ- كلّ واحد منها منارةٌ تبدّد الظّلام.
نبتهلُ في العتبات المقدّسة عسى أن تشملَ تأييداتُ حضرة بهاءالله الغيبيّة كلَّ واحدٍ منكم، حمَلَة الشّعلة الملتهبة، وأنتم تُشعلون في قلوب الآخرين شرارة الإيمان.
بيت العدل الأعظم
نَحْني رؤوسَنا لربِّ الجنودِ شُكراً وامتناناً، وتملأُ قلوبَنَا فرحةٌ غامرةٌ بما نشهدُهُ من تفاوتٍ رائعٍ حقَّقته السّنواتُ الأربعُ للمشروعِ العالميِّ الّذي وصل إلى نهايتِه في أعظمِ الأعيادِ هذا. لقد كان ما حقَّقتهُ جامعتُنا العالميَّةُ من تقدّمٍ خلالَ تلك الفترةِ ملموساً ارتقى بها إلى قِممٍ شامخةٍ تمدُّ البصرَ منها فترى بكلِّ وضوح آفاقاً جديدةً مشرقةً لانتصاراتٍ سوف تحقِّقُها في المستقبل.
كان التّّفاوتُ الكميُّ بشكلٍ رئيسٍ نتيجةَ تفاوتٍ نوعيٍّ أكثرُ أهميّةً وحسماً. وشهدت ثقافةُ الجامعةِ البهائيّةِ تغيّراً ملحوظاً يُمكنُ مُشاهدتهُ في القدراتِ المتناميةِ، وأساليبِ العملِ المنهجيّة، وما يتبعُ ذلك من ازديادِ الثّقةِ بالنَّفس في كلٍّ من العناصرِ الثّلاثةِ المشاركةِ في المشروعِ: الفرد، والمؤسَّسات، والجامعة البهائيّة المحليَّة. ذلك لأنّ الأحباءَ انهمكوا أكثر بتنميةِ معلوماتِهم والتعمّقِ بالتّعاليمِ الإلهيّةِ بكلِّ مُثابرةٍ وبأسلوبٍ منظّمٍ أكثرَ من ذي قبلٍ، وتعلَّموا كيفيَّةَ تطبيقِ هذه التَّعاليمِ لنشرِ أمرِ اللهِ وإدارةِ أنشطتِهم الفرديّةِ والجَماعيّةِ والعملِ مع أقرانِهم في الجوارِ. وباختصار، فقد وَلجوا طوْراً تَعلُّميَّاً انطلقوا منه نحو عملٍ هادفٍ بنّاءٍ. وكانت القوّةُ المحرِّكةُ الرَّئيسةُ لهذا التّغييرِ نظامَ معاهدَ تدريبيَّةٍ تأسّست في أنحاءِ العالمِ بسرعةٍ فائقةٍ، وهو إنجازٌ يُعتبرُ في ميدانِ التوسّعِ والتَّمكين ذلك الميراثُ الأعظمُ والأوحدُ لمشروعِ السَّنواتِ الأربعِ.
إنّ في ازديادِ مقدرةِ الأفرادِ لتبليغِ أمرِ اللهِ – كما هو واضحٌ في اندفاعهم للقيام بالمبادراتِ الفرديّةِ؛ وفي تحسُّنِ مقدرةِ المحافلِ الروحانيّةِ والمجالسِ الإقليميّةِ والّلجانِ في استغلالِ طاقاتِ الأحبّاءِ وتوجيهِها؛ وفي استخدامِ أساليبَ جديدةٍ من الفِكرِ والعملِ ألقت بتأثيرها على السّلوكِ الجَماعيِّ للجامعات المحليّةِ؛ في كلِّ ذلك أثبت نظامُ المعاهدِ التدريبيّةِ أنّهُ محرِّكٌ لا غنىً عنه لعمليّةِ الدّخولِ في دينِ اللهِ أفواجاً. وبتوسيعِ أعمالِها بتشكيلِ حلقاتٍ دراسيّةٍ محلّيّةٍ، تمكّنت معاهدُ تدريبيّةٌ عديدةٌ من رفعِ طاقاتِها فغطَّت مناطقَ شاسعةً ببرامجِها. وعلى سبيلِ المثالِ، فقد أسّست منغوليا (106) حلقاتٍ دراسيّةً أثمرت زيادةً ملموسةً في عددِ المؤمنين الجددِ. وواكبَ هذه الأنماطَ من التطوّرات أيضاً، إيلاءُ أفرادِ جامعتِنا العالميّةِ اهتماماً أكبرَ باستمدادِ القوّةِ من الدّعاءِ، والتّأمّلِ بالكلمةِ الإلهيّةِ المقدّسة، واستمطارِ المددِ الرّوحانيّ نتيجةَ المشاركةِ في جلساتِ الدّعاءِ الجَماعيّ. فبفضلِ تأثيرِ عناصرِ التحوّلِ الحادِّ هذه على الفردِ والجماعةِ نرى الجامعةَ تكبرُ وتزدادُ عدداً. ومعَ أنَّ عددَ المؤمنين الجددِ لمْ يزدْ إلا قليلاً عمّا كان عليه في السَّنواتِ القليلةِ الماضيةِ، فإنَّ ما يبعثُ على السّرورِ البالغِ والرّضى مشاهدة تلك الزّيادةِ وقد انتشرت الآن جغرافيّاً وشَمَلت شرائحَ أوسعَ من المجتمعِ ونجحت في دمجِ المؤمنين الجددِ في حياةِ المجتمعِ البهائيّ.
إن وضعاً سليماً واعداً للأمرِ المباركِ كهذا ندينُ به إلى أبعدِ الحدودِ للتّأثير الاستشاريّ، والدّورِ التَّعاونيّ، والأسلوبِ العمليّ لمؤسَّسةِ المستشارين. حيثُ وجدناهُ بزَخَمٍ كبيرٍ في مجالِ تشكيلِ المعاهدِ وفي أعمالِها. هذا الزَّخَمُ الذي جاءَ تجاوباً مع الحثِّ الدّؤوبِ في الوقتِ المناسبِ من جانبِ دارِ التبليغِ العالميّةِ التي ما انفكَّتْ تعملُ بيقظةٍ وحيويَّةٍ.
إنًّ الهدفَ الرّئيسَ لمشروعِ السّنواتِ الأربع، الّذي يدورُ حولَ التَّعجيل في عمليّةِ الدّخولِ في دينِ اللهِ أفواجاً، قد ولَّدَ درجةً عاليةً من التّكاملِ في الفكرِ والعملِ؛ وركَّز الاهتمامَ نحو مرحلةٍ في غاية الأهميّة من تطوُّرِ الجامعةِ البهائيَّةِِِِِِ التي لا بدَّ من الوصولِ إليها خلالَ عصرِ التَّكوينِ. وما لم تَلْقَ عمليّةُ الدّخول في دينِ الله أفواجاً مساندةً ودعماً أكبرَ، لن تكونَ الظروفُ مواتيةً للوصولِ إلى مرحلةِ الإيمانِ الجماهيريّ، ذلك الإنجازُ الّذي وعدَ به حضرةُ شوقي أفندي في كتاباتِه. إنّ الهدفَ الرّئيسَ الّذي ركّز عليه مشروعُ السنوات الأربع قد ترك أثراً على كافّةِ أوجهِ النَّشاطاتِ البهائيّةِ، واقتضى وضوحاً في الفَهمِ والإدراكِ بما يكفلُ التَّخطيطَ المنظّمَ والاستراتيجيَّ باعتبارِه مطلباً أساسيّاً للعملِ الفرديّ والجَماعيّ. وقد بدأ أفرادُ الجامعةِ يقدّرون بالتّدريج كيف أن الأسلوبَ المنظّمَ يسهِّلُ عمليتيّ النّموِ والتطوّرِ. فيقظةُ الوعي كانت خطوةً جبَّارةً قادت إلى رفعِ مستوى النَّشاطاتِ التَّبليغيَّةِ وإيجادِ تغيّرٍ في ثقافةِ الجامعةِ.
لقد شوهدت أوجُهُ التّكاملِ في الهدفِ الرّئيسِ للمشروع واضحةً في جهودِ التّخطيط وفي بناءِ القدرةِ المؤسَّسيّةِ وفي تنميةِ المواردِ البشريّةِ. أما الخيوطُ التي تجمعُها معاً فيمكنُ تتبّعُها من نقطةِ بدءِ المشروعِ وحتى نهايتِه. وكان مؤتمرُ الهيئاتِ الاستشاريةِ القاريةِ في الأرضِ الأقدسِ في كانون الأول/ديسمبرِ من عامِ 1995م نقطةَ البداية، فهناك تمّ تعريفُ المستشارين بملامحِ المشروعِ، وتبع ذلك مشاوراتُهم مع المحافلِ الروحانيةِ المركزيةِ في جلساتٍ شهدت تخطيطاً على النِّطاقِ المركزيّ وتدرَّجَ بعد ذلك إلى المستوى الإقليميّ ليشملَ أعضاءَ هيئةِ المعاونين والمحافلَ الروحانيةَ المحليةَ والّلجانَ. وبذلك انخرطت كافةُ عناصرِ الإدارةِ البهائيةِ وعلى كافةِ المستوياتِ في عمليّةِ التّخطيطِ ثم تعدّتْها إلى مرحلةِ التّنفيذِ التي تستلزمُ إيجادَ قدرةٍ مؤسّسيّةٍ قادرة على التكيّف مع عمليّةِ الدّخولِ في دينِ اللهِ أفواجاً. وفي هذا السّياقِ اتُّخذتْ خطوتان رئيستان: الأولى تأسيسُ المعاهدِ التدريبيّةِ، والثانيةُ الشروعُ رسميّاً على نطاقٍ واسعٍ في تأسيسِ المجالسِ البهائيّةِ الإقليميّةِ كمؤسساتٍ إداريّةٍ تقع بين المستويين المحليّ والمركزيّ بهدفِ تنميةِ القدرةِ الإداريّةِ لدى جامعات معيّنة حيث يواجهُ المحفلُ الروحانيّ المركزيّ فيها مشاكلَ معقدةً متناميةً تستدعي مثلَ هذا التطوّرِ الإداريّ. وبنفسِ القَدْرِ من أهميّةِ اتّحادِ العناصرِ الأساسيّةِ لهذهِ العمليّةِ كذلك كانت الاستراتيجيّاتُ اللاّزمةُ التي تمثّلتْ بطريقتين للتنفيذ: إحداها الخططُ الموضوعةُ للعملِ في مجالِ التَّطويرِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِِِِِِّ، وهو عنصرٌ حاسمٌ في تقويةِ وتمكينِ الجامعةِ؛ والآخرُ في مجالِ العلاقاتِ الخارجيةِ التي تُعَدُّ عنصراً حيويّاً يجعل الأمرَ المباركَ قادراً على إدارةِ الأثار النّاجمةِ عن خروجهِ من المجهوليّةِ. إنَّ التّاثيرَ المشتركَ لما سبق أثمرَ نتائجَ باهرةً يتعدّى إحصاؤها نطاقَ هذه الصفحات إلى حدٍّ بعيدٍ. إلا أنه لا مفرَّ من ذكرِ بعض البنودِ الرّئيسةِ الدّالةِ على اتّساعِ نطاقِ إنجازاتِ المشروعِ.
ففي الأرضِ الأقدسِ يتقدّمُ العملُ في إنشاءِ الشّرفاتِ وأبنيةِ القوسِ بشكلٍ يؤكّدُ تحقيقَ الموعدِ المقرّرِ لانتهائها في نهايةِ هذا العامِ الميلاديّ. كما أن البناءَ المشارَ إليه في رسالةِ الرّضوانِ الأخيرةِ والمعدَّ لاستيعابِ عددٍ أكبرَ من الزّائرين في حيفا قد أصبحَ جاهزاً لاستعمالهِ في هذا الرضوان. وفي هذا السّياقِ نفسِهِ فقد ووفقَ على المخططاتِ الإنشائيّةِ للمرفقِ الحيويّ المنوي إنشاؤه في "البهجة" الذي نحتاجُ إليه أشدَّ الحاجةِ لاستيعابِ الحجّاجِ والزّائرين الآخرين من بهائيّينَ وغيرِهم. كما تُرجِمتِ النّصوصُ المباركةُ التي سيضمُّها مجلّدٌ جديدٌ من آثارِ حضرةِ بهاء الله ويتقدمُ العملُ في سبيلِ نشرِهِ على قدمٍ وساقٍ.
لقد تحقّقت خطواتٌ واسعةٌ في ميدانيّ التوسّعِ والتّمكين إضافةً إلى ما ذُكر سابقاً، فشملت: الهجرة،َ والإعلانَ العامَّ عن الأمر، وإصدارَ المطبوعاتِ البهائيّةِ، واستخدامَ الفنونِ، وتشكيلَ المحافلِ الروحانيّةِ، وتطويرَ مؤسّساتِ الدّراساتِ البهائيّةِ. فاستقرَ ما يقاربُ (3300) مؤمنٍ خارجَ أوطانهم كمهاجرين لمددٍ طويلةٍ وفتراتٍ قصيرةٍ. وعَمَدت دولٌ عديدة كانت عادة تعدُّ دولاً مستقبلة للمهاجرين إلى إرسال مهاجرين إلى الخارجِ وهذه دلالةٌ أخرى على نضجِ الجامعاتِ المركزيّةِ. واستجابةً للمهمّةِ المناطةِ بالأحبّاءِ في كندا والولاياتِ المتّحدة، تفوّقت هذه الجامعاتُ البهائيةُ فتجاوزت أهدافَها في عددِ المهاجرين الذين غادروا شواطئَها، وبأعدادٍ ضخمةٍ من المبلّغين الجوّالين وبينهم عددٌ ملحوظٌ من الشبابِ. وممّا يجدرُ بالملاحظةِ أيضاً، تلك الاستجابةُ المنعشةُ للقلوب من أحباءَ من أصل إفريقيّ في الولاياتِ المتحدةِ للنّداءِ الدّاعي إلى توجّهِ مبلّغين جوّالين إلى أفريقيا.
أمّا الإعلانُ عن الأمرِ المباركِ فقد تضمّن طيفاً من الأنشطةِ شملت رعايةَ المناسباتِ في مجالاتٍ واسعةٍ من قبيل: المناسباتِ السّنويّةِ، واحتفالاتِ إحياء الذّكرى، وحلقاتِ النّقاشِ، والمعارضِ وما شابهَ ذلك، ممّا مكَّنَ أعداداً غفيرةً من النّاسِ من التّعرّفِ على تعاليمِ الأمرِ البديعِ. وكانت مشارقُ الأذكارِ مراكزَ جذبٍ للزّائرين الذين دخلوا أبوابَها بأعدادَ متزايدةٍ خاصّةً في الهند، إذ استقبلَ مشرقُ الأذكارِ في نيودلهي نحوَ خمسةِ ملايين زائرٍ خلالَ العامِ الماضي. أضف إلى ذلك الاستخدامَ المتعدّدَ لوسائلِ الإعلامِ في إيصالِ الرّسالةِ الإلهيّةِ لعامةِ النّاسِ. ففي الولايات المتّحدة استجابَ ما يقاربُ الستّين ألفاً من المستفسرين لحملةٍ إعلاميّةٍ وضعتها لجنةُ التّبليغِ المركزيّةِ. وعلى نطاقٍ عالميّ زادت معرفةُ النّاسِ بالأمرِ المبارك بظهورِ مقالاتٍ طوعيةٍ متعاطفةٍ في وسائلِ الإعلامِ المطبوعةِ بشكلٍ أكبرَ من ذي قبل. وكان هناك اتّساعٌ مماثلٌ لتعريفِ أمرِ اللهِ إثرَ استعدادِ محطّاتٍ إذاعيّةٍ وتلفزيونيّةٍ بثَّ برامجَ بهائيةٍ منتظمةً في أقطارَ مثل جمهوريّةِ الكونغو الديمقراطيّةِ وليبيريا. وقد تُوِّجتْ هذه التَّطوّراتُ الميمونةُ باختيارِ مؤسساتٍ إعلاميةٍ عالميّةٍ، بمحض إرادتها، للمقام الأعلى والشّرفات موقعاً للبثِّ التلفزيونيّ المباشرِ في الفقرةِ الخاصةِ بالأرضِ الأقدسِ في البرنامجِ الإعلاميّ العالميّ احتفالاً بقدومِ عامِ 2000 ميلاديّة.
لقد أصبحَ استخدامُ الفنونِ يشكّلُ ميزةً هامّةً في الإعلانِ عن الأمرِ المباركِ وفي التّبليغِ والتّعمقِ وجلساتِ الدّعاءِ للجامعةِ البهائيّةِ في أطرافِ العالمِ. فعملت الفنون على جذبِ الشَّبابِ الذين استخدموها في التّبليغِ وجلساتِ التّعمّقِ وبشكلٍ رئيسٍ في مجالِ التّمثيلِ والرّقصِ والتي أخذت تنشطُ في أنحاءَ عديدةٍ من العالمِ. إلا أنّ القوّةَ المحرِّكةَ للفنونِ تجاوزت حدودَ الرّقصِ والغناءِ لتشملَ طيفاً واسعاً من الأنشطةِ المبتكرةِ التي عَمِلت على ترسيخِ النّاسِ في الأمرِ الإلهيّ. وحيثما استُخدمَ الرّقصُ الفولكلوريّ -خاصّةً في أفريقيا- حظيت أعمالُ التّبليغِ بطفرةٍ كبيرةٍ. ومثالُ ذلك غانا وليبيريا التي أطلقت كلٍّ منهما مشروعاً باسم "نور الوحدة" يهدف إلى ترويجِ استخدامِ الفنونِ في التّبليغِ، وكذلك في الهندِ حيث اشتركت في الهدفِ نفسِه فرقةُ "تجانس المجتمع".
وحظيت ترجمةُ الكتبِ البهائيّةِ ونشرُها، خاصةً في أفريقيا وآسيا، بزَخَمٍ كبيرٍ بفضلِ تشجيعِ المستشارين ودعمِ الصّندوقِ القاريّ. كما صدرَ "الكتاب الأقدس" بطبعتِهِ الكاملةِ بالّلغةِ العربيّةِ وبلغاتٍ أخرى.
إنّ تحديدَ موعدِ تشكيلِ المحافلِ الرُّوحانيّةِ المحليّةِ في اليومِ الأوَّلِ من الرّضوانِ، الّذي بدأَ العملُ به عام 1997م أدّى إلى نقصٍ كان متوقّعاً في عدد تلك المؤسّساتِ، إلاّ أنّ هذا النّقصَ لم يكن كبيراً، فمنذ ذلك الحين حافظَ العددُ على مستواه، وبدأت عمليةٌ محكمةٌ من التّقويةِ والتّمكينِ تأخذُ مجراها، وارتفعت ثمانيةُ أعمدةٍ جديدةٍ لبيتِ العدلِ الأعظمِ ليرتفعَ عددُ المحافلِ الروحانيةِ المركزيةِ إلى (181).
وما يبعثُ في النّفسِ شعوراً بالرّضى تسارعُ وتيرةِ البحوثِ والدّراساتِ البهائيّةِ خلالَ هذه السّنواتِ الأربع حيث شقَّتْ طريقَها بِعزمٍ فاعلٍ نحوَ تدعيمِ الأسسِ الفكريّةِ لأعمالِ الأمرِ المباركِ. ممّا أثمرَ نتيجتينِ لا تُقدّرانِ بثمنٍ: إثراءٌ مُبهرٌ للآثارِ الكتابيّةِ البهائيّةِ، ثمَّ إنتاجُ مجموعةٍ من الأطروحاتِ التي تعالجُ مشاكلَ معاصرةً متنوّعةً بِهَدْيِ المبادئ البهائيّةِ. وخلالَ سنواتِ المشروعِ، انضمّت خمسُ هيئاتٍ جديدة إلى عضويّةِ هيئةِ الدّراساتِ البهائيّةِ التي احتفلت هذا العام بالذّكرى الخامسةِ والعشرينَ لتأسيسِها. إنّ انعقادَ المؤتمرِ الأوّلِ للدّراساتِ البهائيّةِ في پاپوا نيو غينيا، والملتقى الأوّلِ للجمعيّةِ اليابانيّةِ للدّراساتِ الذي وجّه اهتماماً خاصّاً إلى الأصولِ الروحيّةِ للعلومِ اليابانيّةِ التّقليديّةِ، جاءَا انعكاساً لما يمثّلهُ هذا الميدانُ من الخدمةِ من تنوّعٍ وخلاقيّةٍ.
وممّا لا شكَّ فيه أن التّقدّمَ في ميدانِ التطويرِ الاجتماعي والاقتصادي كان نوعيّاً، ومع ذلك، فإنّ الأرقامَ التي تبيّنُ زيادةً في عددِ المشاريعِ تبعثُ على الإعجابَ. إذ ارتفعَ العددُ الواردُ في التّقارير السّنويّة من (1350) مشروعاً في بدايةِ مشروع السنوات الأربع إلى أكثر من (1800) مشروعٍ مع اقترابِ نهايتِه. ويبقى التّوجهُ نحوَ استخدام أسلوبٍ أكثرَ منهجيّةً من أبرز السّماتِ التي اتّصفَ بها العملُ خلالَ هذهِ الفترةِ. وفي سبيلِ ترويجِ المشورةِ والعملِ ضمنَ أسسِ التّطويرِ الاجتماعيّ والاقـتصاديّ ومبادئِه، رعى مكتبُ التّطويرِ الاجتماعيّ والاقتصاديّ في المركزِ البهائيّ العالميّ ثلاثَ عشرةَ ندوةً إقليميّةً شاركَ فيها ما يقدَّرُ بسبعمائةِ مندوبٍ من ستين قطراً. كما أن المكتبَ أولى عنايتَه لابتكارِ مشاريعَ رائدةٍ ووضعِ موادَّ مناسبةٍ لإطلاقِ حملاتٍ منظّمةٍ في ميادين رعاية: رفع مستوى الاعتماد على الشباب ومحوِ الأميّة،ِ وتدريبِ العاملينَ في قطاعِ الصّحةِ العامّة،ِ ورفعِ مستوى المرأةِ، والتّربيةِ الأخلاقيّةِ. ومثالُ ذلك البرنامجُ التدريبيّ في غيانا (أمريكا الجنوبية) الذي تدرّب فيه أكثرُ من (1500) مدرّسٍ لمحوِ الأميّةِ. ومثالٌ آخرٌ كان في ماليزيا حيثُ اكتملَ وضعُ ثماني مجموعاتٍ من موادَّ تعليميّةٍ خاصةٍ برفع مستوى المرأةِ وأصبحت أساساً لدوراتٍ تدريبيّةٍ عُقدت في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينيةِ. كما بدأ العملُ بتنفيذِ خطّةٍ لدمجِ محطّاتِ الإذاعةِ البهائيّةِ بنشاطاتِ المعاهدِ التدريبيّةِ في منطقةِ غوايمي في پنما. وبما أنّ المعاهدَ لديها القدرةُ على توفيرِ التّدريبِ للعاملينَ في ميدانِ التّطويرِ الاجتماعيّ والاقتصاديّ، حصل تحرّكٌ في هذا الاتّجاه شمل اثني عشَرَ معهداً يمارسون حاليّاً مثلَ هذه النّشاطاتِ في ميادينَ تشملُ محوَ الأميّةِ وتدريبَ العاملين في الصّحةِ العامّةِ والتّدريبَ المهنيّ. ويكرّسُ عددٌ من المؤسّسات، التي تعملُ برعايةٍ بهائيّةٍ أو بوحيٍ من التّعاليمِ البهائيّةِ جهوداً في مشاريعَ مختلفةٍ مثل ذلك المشروعِ الذي أقيم بالتّعاونِ مع منظّمةِ الصّحةِ العالميّةِ للتّصدّي لوباء "عمى الأنهار" المنتشرِ في الكاميرون، إذ تلقّى ما يزيدُ على الثّلاثينَ ألفاً العلاجَ الّلازمَ خلالَ هذا المشروع البهائيّ. ومثالٌ آخر تلك الجامعةُ الخاصّةُ التي تأسّست في إثيوبيا باسم "كلِّيَّة الوحدة" والتي ارتفعَ عددُ طلابِها إلى ثمانيةِ آلافِ طالبٍ، وشاهدٌ آخرُ هو أكاديميةُ لاندغ في سويسرا التي مع انشغالِها بتوسيعِ وتدعيمِ برامجِها الأكاديميّةِ، قامت بإسداءِ مساعدةٍ قيّمةٍ في المساعي الجاريةِ لعلاجِ العواقبِ الاجتماعيّةِ الوخيمةِ التي خلَّفَتها أزمةُ البلقانِ. وهناك جامعةُ "نور" في بوليفيا التي قامت في مشروعٍ مشتركٍ مع الإكوادور بتدريبِ أكثرِ من ألفِ معلّمِ مدرسةٍ ضمنَ برنامجِ القيادةِ الأخلاقيّةِ. مثلُ هذه الدّلائلِ التي تشيرُ إلى بناءِ القدراتِ في ميدانِ التّطوير الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ كانت ذاتَ نفعٍ كبيرٍ لأهدافِ المشروعِ.
واهتداءً باستراتيجيّةِ العلاقاتِ الخارجيّةِ التي أُعلمت بها المحافلُ الرّوحانيّةُ المركزيةُ عامَ 1994، تنامت قدراتُ الجامعةِ البهائيّةِ في مجاليّ المعلوماتِ الدّبلوماسيّةِ والمعلوماتِ العامةِ بشكلٍ مذهلٍ، فَوُضعت هذه الجامعةُ في علاقةٍ فاعلةٍ متطوّرةٍ مع منظّمةِ الأممِ المتّحدةِ والحكومات والمنظّمات غير الحكوميّةِ ووسائلِ الإعلام. وركّزتِ الاستراتيجيّةُ المذكورةُ النّشاطات في المستوييْن العالميّ والقطريّ على هدفيْن رئيسَيْن: التّأثيرُ على العمليّاتِ المتعلّقةِ بالسّلامِ العالميّ، والدفاعُ عن الأمرِ المباركِ. وبفضلِ الإجراءاتِ التي اتُّبعت للدّفاعِ عن أحبّائِنا الأعزّاءِ في إيران، ارتقت الجامعةُ البهائيةُ العالميّةُ إلى مستوىً جديدٍ من الاحترامِ والدَّعمِ خلقَ فرصاً لمتابعةِ أهدافِ استراتيجيّةِ العلاقات الخارجيّة الأخرى. ولمواجهةِ التّحدي الماثلِ في الوضعِ العسيرِ في إيران، ابتكرت مؤسساتُنا ومكاتبُنا للعلاقاتِ الخارجيةِ أساليبَ جديدةً لتعبئةِ الإمكاناتِ المُتاحةِ لدى الدّول ومنظّمة الأمم المتّحدة. فشَغَلَت قضيّةُ الاضطهادات في إيران اهتمامَ أعلى السّلطاتِ على وجهِ الأرض. فكان أن أصدرَ رئيسُ الولاياتِ المتحدةِ تحذيراً واضحاً لإيران على إثرِ إصدارِ محكمةٍ إيرانيّةٍ تأكيداً على حكمٍ بإعدامِ اثنين من الأحباءِ، وعلى حُكمٍ مُماثلٍ على ثالث. ونتيجةً لتدخلِ قادةِ العالمِ ومنظمةِ الأممِ المتّحدةِ توقّفَ تقريباً إعدامُ البهائيّين الإيرانيّين، كما انخفض عددُ الذين حُكم عليهم بالسّجنِ مُدداً طويلةً انخفاضاً ملموساً.
وبينما نرحّبُ بمساعي التّدخّلِ هذه، فإنّنا نحيّي روحَ التّضحيةِ بالنّفسِ وذلك الصّبرَ والثّباتَ والإيمانَ الرّاسخَ لإخواننا وأخواتنا في إيران الذين جعلوا تلك الجهود تتبوأ مكانة من القوة مؤثرة. فهذه الخصالُ الرّوحانيةُ البارزةُ أذهلت أقرانَهم بما شاهدوا من قُدرةٍ على الصّبرِ والجَلَدِ أمامَ الهجومِ الوحشيّ المستمرّ ضدّهم. كيف يفسّرُ هذا بغيرِ ذلك، وهم القلّةُ التي صمدت أمامَ الكثرةِ مدّةً طويلةً؟ كيف كان لهم بغيرِ ذلك أن يستنهضوا ذلك الاهتمامَ الفاعلَ لدى العالمِ حتّى لو كان مجرّدَ واحدٍ منهم مُهدّداً بالموتِ؟ إنّ مأساةَ إيران تتمثّلُ في أنّ المعتدينَ قد فشلوا حتّى الآن في إدراكِ أنّ المبادئَ الإلهيّةَ، التي في سبيلها ضحّى هؤلاءِ المضطهدون بأموالِهم وممتلكاتِهم وحتّى بحياتِهم، تزخرُ حقّاً بالحلولِ الكفيلةِ بتحقيقِ ما ترنو إليه جموعُ الناسِ في ساعةِ محنتِها ويأسِها. ولا مجالَ للشكِ في أنّ الظّلمَ والطُّغيانَ المتواصلَ الذي يتعرّضُ له إخوانُنا الإيرانيّون بكلِّ قسوةٍ سوفَ يتراجعُ ويتقهقرُ أمامَ يدِ القدرةِ الإلهيّةِ التي تسُوقُ الأحداثَ الخفيّةَ نحو ما قُدّرَ لها من مجدٍ حتميٍّ موعودٍ.
ولتحقيقِِ الهدفِ الآخرَ من استراتيجيّةِ العلاقاتِ الخارجيةِ فقد اتّجهَ سيرُ العملِ نحوَ مساراتٍ أربعةٍ: حقوقِ الإنسانِ، ومكانةِ المرأةِ، وازدهارِ الكونِ، والتّطوّرِ الأخلاقيّ. وتُظهرُ سجلاتُنا أنّنا خطونا خطوةً ضخمةً نحوَ الأمامِ في العملِ في ميدانِ حقوقِ الإنسانِ ومكانةِ المرأةِ. ففي الأوّلِ نَفّذَ المكتبُ البهائيّ في الأممِ المتّحدةِ برنامجاً خلاقاً في التّثقيفِ بحقوقِ الإنسانِ والذي نجحَ حتى الآن في بناءِ وتنميةِ القدراتِ في مجال العمل الدّبلوماسيّ لدى ما لا يقلُّ عن (99) محفلاً روحانيّاً مركزيّاً. وفيما يخصُّ موضوعَ مكانةِ المرأةِ، فإنَّ وجودَ (52) مكتباً قطريّاً لتطويرِ المرأةِ، ومشاركةَ عددٍ كبيرٍ من النّساءِ والرّجالِ من البهائيّين في مؤتمراتٍ وورشاتِ عملٍ على مختلفِ الصُّعُد والمستويات، واختيارَ مندوبين بهائيّين لمناصبَ حسّاسةٍ في لجانٍٍٍ بارزةٍ خاصّةٍ بالمنظّماتِ غير الحكوميّة، ومنها صندوقُ الأممِ المتّحدةِ لتطويرِ المرأةِ. كلُّ هذه الأمور تبيّن كيف أن أتباعَ الاسمِ الأعظمِ يعملون بجدٍّ واجتهادٍ في سبيلِ ترويجِ مبدأ حضرة بهاء الله في مساواةِ المرأةِ والرّجلِ.
وفي الوقتِ نفسِه، تعملُ مجموعةٌ من المبادراتِ على نشرِ معلوماتٍ عن الدّينِ البهائيّ بين مختلفِ الأوساطِ الاجتماعيّةِ، منها مشاريعُ مبتكرةٌ من قبيلِ: تأسيس موقع "العالمِ البهائيّ" على شبكةِ الإنترنت العالميّةِ، حيث يزورُهُ بمعدلِ (25) ألف زائرٍ شهريّاً؛ وإصدارِ وثيقةٍ بعنوان "من يخطُّ طريقَ المستقبلِ"، التي تساعدُ الأحباءَ في كلِّ مكانٍ في الحديثِ عن المواضيعِ المعاصرةِ؛ وبثِّ برنامجٍ إذاعيّ على شبكةِ الإنترنت بعنوانِ "پيام دوست" – بشارة المحبوب - في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وهو برنامجٌ أسبوعيٌّ بالّلغة الفارسية يُبثُّ لمدةِ ساعةٍ في منطقةِ واشنطن عاصمةِ الولاياتِ المتّحدةِ الأميركيَّة، ومتوفّرٌ في كلِّ الأوقاتِ وفي كافّةِ أنحاءِ العالمِ على شبكةِ الإنترنت العالميّةِ؛ وتنفيذِ برنامجٍ تلفزيونيّ رائدٍ يتحدثُ عن تطبيقِ المبادئ الأخلاقيّةِ على مشاكلِ العصرِ اليوميّةِ، وهو الذي لاقى ترحيباً حاراً من قِبَلِ السّلطاتِ الحكوميّةِ في كلٍّ من ألبانيا والبوسنة والهرسك وبلغاريا وكرواتيا والمجرِ ورومانيا وسلوفينيا وجمهوريّةِ الاتّحادِ اليوغسلافيّ السّابقِ في مقدونيا.
إنّ إحدى الظّواهرِ التي اكتسبت زَخَماً مع اقترابِ القرنِ الحالي من نهايته تتمثّلُ في أنّ الناسَ أخذوا يُفْصحونَ عن طموحاتِهم عَبْرَ ما يُسمَّى الآن "منظماتُ المجتمعِ المدني". لا بدَّ وأن يكون مدعاةً لرضىً بالغٍ لدى البهائيين في كلِّ مكانٍ عندما يعلمون أنّ الجامعةَ البهائيّةَ العالميّةَ، كمنظمةٍ غير حكوميةٍ وتمثّلُ عيِّنة شاملة من مختلف الأجناسِ من المجتمعِ الإنسانيّ، قد حازت على الثّقةِ كونها عاملاً مساعداً على الوحدةِ والاتّحادِ في المناقشاتِ الهامّةِ التي تشكِّلُ طريقَ المستقبلِ. وقد عُيّن مندوبُنا الرئيسيّ لدى الأممِ المتحدةِ، رئيساً للجنةِ المنظّماتِ غير الحكوميةِ -بالتّناوبِ مع رئيسٍ آخر-، وهي الّلجنةُ التي شكّلها المجلسُ الاقتصاديُّ والاجتماعيُّ. إنّه منصبٌ منحَ الجامعةَ البهائيةَ العالميةَ دَوْراً قياديّاً لتنظيم "منتدى الألفيّة" وهو الاجتماعُ الذي دَعا إليه الأمينُ العامُ للأممِ المتحدةِ كوفي عنان ومن المقرّرِ أن يلتئمَ في شهر أيار/ مايو. وسيَمْنحُ هذا المنتدى "منظّمات المجتمعِ المدنيّ" فرصةً لصياغةِ مقترحاتٍ وتوصياتٍ حولَ مواضيعَ عالميّةٍ ستُنَاقشُ في "مؤتمر القمّة الألفيّة" الّلاحقِ في شهرِ أيلولَ/ سبتمبر من هذا العامِ بحضورِ ملوكِ وقادةِ ورؤساءِ الحكوماتِ في العالمِ.
إنّ صحوةَ الإنسانيّةِ على الأبعادِ الروحيةِ للتّغيّرات والتّحوّلاتِ التي تأخذُ مجراها في العالمِ لها معنىً ومفهومٌ خاصٌ عند البهائيّين. فحوارُ ما بين الأديان قد ازداد قوةً وتركيزاً. وخلالَ مشروعِ السّنوات الأربع ازدادت مشاركةُ الدّينِ البهائيّ في هذه الجلسات ضمن الأديان المُعترفِ بها. ففي شهرِ كانون الأول/ ديسمبر الماضي التأم "برلمان الأديان العالمي" في مدينةِ كيپ تاون (جنوب أفريقيا) بحضورِ حوالي (6000) مشاركٍ من بينهم وفدٌ بهائيّ كبيرٌ. وقد شارك البهائيّون في عضويّة مجلسيّ الإدارة اللذيْن خطّطا لهذا الاجتماع على المستويَيْن العالميّ والجنوب أفريقيّ. وينبع اهتمام البهائيّين بهذا الحدث بشكلٍ خاصٍ من حقيقةِ أنّ اسمَ حضرةِ بهاء الله قد دوّى أولَ مرةٍ في جلسةٍ عامّةٍ في الغربِ في برلمانِ الأديان الذي عقدَ في شيكاغو عام 1893. كما عُقدَ في الأردن في شهرِ تشرينَ الثّاني/ نوفمبر الماضي مؤتمرا ما بين الأديان دُعي إليهما بهائيون: الأولُ حول النّزاعاتِ والأديان في الشرقِ الأوسط، والثاني الاجتماعُ السنويُّ لمؤتمرِ الأديانِ والسّلامِ. كما حضرَ مندوبون بهائيّون مناسبةً في مدينةِ الفاتيكان وأخرى في نيودلهي برعايةِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ. ففي نيودلهي كانت المستشارةُ زينا سورابجي إحدى ممثّلي الأديان التي ألقت كلمتَها بحضور قداسةِ البابا يوحنّا بولس الثّاني. وفي المملكةِ المتّحدةِ برز الدّين البهائي على السّاحة العامّة عندما انضمّ ممثّلو البهائيّين إلى ممثّلي الأديانِ الثّمانيةِ الرّئيسةِ الأخرى في احتفالِ "ما بين الأديان" بمناسبةِ الألفيّةِ الجديدةِ الذي أقيم في الرّواق الملكي لقصرِ وستمنستر. وفي هذا الاحتفال أشير إلى اجتماعِ "الأديانِ التّسعةِ الرّئيسةِ في المملكةِ المتّحدةِ" بمحضرِ العائلة المالكة ورئيسِ الوزراءِ ورئيسِ أساقفةِ كانتربري وشخصيّاتٍ مرموقةٍ أخرى. وفي ألمانيا دُعي الأحباءُ لأوّل مرّةٍ إلى حوارٍ بين الأديانِ، وهذا الحدث قلبَ رأساً على عَقِبٍ موقفَ الطّوائفِ المسيحيَّةِ الذي كان قائماً ردحاً من الزّمن، حيث تحاشت الاتّصالَ بالدّينِ البهائيّ على إثرِ نشرِ كتابٍ من قِبَلِ أحدِ ناقضي العهدِ والميثاقِ بواسطةِ دارِ النشرِ الّلوثريةِ في عامِ 1981. فجاء الرّدُّ ومعه العلاجُ بكتابٍ علميٍّ موثّقٍ وضعه ثلاثةُ بهائيّين في ستّمائةِ صفحةٍ، ونشرته عام 1995 دارُ نشرٍ مرموقةٍ غير بهائيةٍ. وهذا يُعدُّ نصراً مؤزّراً للجامعةِ البهائيّةِ في ألمانيا، وقد صدرت ترجمةٌ له بالّلغةِ الإنجليزيةِ في السّنةِ الأخيرةِ من المشروعِ. هذا وقد اتّخذ حوارُ ما بين الأديان الذي عُقدَ في قصرِ لامبيث عام 1998، منحىً جديداً غيرَ مألوفٍ عندما عقد اجتماعاً بحضورِ مندوبين عن البنكِ الدّوليّ إلى جانبِ ممثّلي الأديانِ الرّئيسةِ التّسعةِ وأدّى هذا الاجتماعُ إلى تشكيلِ "ملتقى حوارِ الأديان للتّنميةِ والتّطوير". وكان الهدفُ المُعلنُ لهذا "الحوارِ" تجسيرَ الهوّةِ بين الجماعاتِ الدّينيّةِ والبنكِ الدّوليّ حتى يتمكّنَ الجميعُ من العملِ معاً بفاعليّةٍ أكثر للتغلّبِ على آفةِ الفقرِ في العالمِ. ويمثّلُ تواترُ اجتماعاتِ "ما بين الأديانِ" وشموليّتُها ظاهرةً جديدةً من العلاقاتِ بين الأديانِ. ويبدو واضحاً أن مختلف المجتمعات الدّينيّة تكافحُ من أجل إيجادِ روحِ الألفةِ والمودّةِ فيما بينها، وهذا ما دعا حضرةُ بهاء الله اتباعه إلى انتهاجه مع سائرِ الأديانِ الأخرى.
لقد جاءَ السّعي الحثيثُ للجامعة البهائية خلال مشروعِ السّنواتِ الأربعِ في وقتٍ تكبّلُ المجتمعَ الإنسانيّ سلسلةٌ من المصالحِ المتضاربةِ. ففي هذه الفترةِ القصيرةِ، شديدةِ الحركةِ والتّقلبِ، كانت القوى العاملةُ في الجامعةِ البهائيّةِ وفي أنحاءِ العالمِ تعملُ بتسارعٍ قويٍّ لا يعرفُ الكلل. وفي أعقابِ كلِّ ذلك برزت، بشكلٍ واضحٍ، وأكثر من أي وقتٍ مضى، تلك الظاهرةُ الاجتماعيّةُ التي أشار إليها حضرةُ شوقي أفندي. فقبل أكثر من ستّةِ عقودٍ نبّه حضرتُه إلى "العمليّتين المتلازمتين من صعودٍ وهبوط، من ترابطٍ وتفكّك، من نظمٍ وفوضى، وما يرافقُ ذلك من ردودِ فعلٍ متبادلة مستمرّة". ولم تستمرّ هاتان العمليّتان التّوأمان في معزلٍ عن تلك العمليّاتِ الخاصّة بالجامعةِ البهائيّةِ، ولكن في بعضِ الأحيانِ انطلقت على نحوٍ دعا إلى المشاركةِ المباشرةِ للدّينِ البهائيّ كما سبق توضيحُهُ. وبدا وكأنّ هاتين العمليّتين تجريان في جنبيْن متقابليْن من دهليز الزّمن. فعلى جانبٍ حروبٌ أثارتْها النّزاعاتُ الدّينيّةُ والسّياسيّةُ والعرقيّةُ والقبليّةُ في أكثرَ من (40) منطقة؛ انهيارُ تامٌ ومفاجئٌ للنّظامِ المدنيّ شلّ عدداً من الدّولِ؛ الإرهابُ كسلاحٍ سياسيّ غدا وباءً شائعاً؛ ازديادٌ مضطرد الشبكاتِ الإجراميّةِ الدّوليّةِ دقّ ناقوس الخطر. ومع ذلكَ، وعلى الجانبِ الآخر، جرت محاولاتٌ جادّةٌ لتنفيذِ وسائلَ حمايةِ الأمنِ الجَماعيّ وتحسينها، مما يعيدُ إلى الأذهانِ أحدَ وسائلِ العلاجِ التي وصفَها حضرةُ بهاءالله لحفظِ السلاِم، وانطلقَ نداءٌ لتشكيلِ محكمةِ جنايات دوليّة، وهو نداءٌ ينسجمُ مع التطلعات والآمالِ البهائيّةِ؛ لتركيزُ الانتباهِ على الحاجةِ الملحّة لنظامٍ مناسبٍ يعالجُ القضايا الدّوليّةِ، يُنتظر أن يجتمعَ زعماءُ العالمِ في "القمةِ الألفيّة"؛ وسائلُ الاتصالِ الجديدةِ أتاحت السبيلَ ليتخاطب كلّ فردٍ مع أيّ فردٍ آخر على وجه البسيطة. وقد هدّدَ الانهيارُ الاقتصاديّ في آسيا بزعزعةِ استقرارِ الاقتصادِ العالميّ، ولكنه حفَزَ الجهودَ لعلاجِ الوضعِ الراهنِ، وكذلك إيجادُ الوسائلِ الكفيلةِ بتحقيقِ العدالةِ والمساواةِ في التّجارةِ الدّوليةِ والأمورِ الماليّةِ. هذه مجردُ أمثلةٍ قليلةٍ على هذين الاتّجاهين المتضادّين المتفاعلين اللّذين يعملان في وقتِنا الراهنِ، مصداقاً للبيان البليغِ الملهَمِ لحضرةِ شوقي أفندي عن القوى العاملةِ في الخطّةِ الإلهيّةِ الكبرى، "التي تهدفُ في النّهايةِ إلى وحدةِ الجنسِ البشريّ واستقرارِ السّلامِ بينَ كافّةِ الأنامِ".
وفي ختامِ هذه السّنواتِ الأربعِ الحافلةِ بالأحداثِ، نكونُ قد وصلنا إلى نقطةِ التقاءٍ استثنائيّةٍ للنّهاياتِ والبداياتِ طبقاً للتّقويمِ الميلاديّ والتّقويمِ البديعِ البهائيّ. فمن ناحيةٍ، يستتبعُ هذا الالتقاء طيَّ صفحةِ القرنِ العشرينَ، ومن ناحيةٍ أخرى يفتتحُ مرحلةً جديدةً من عصرِ التّكوينِ. والمشهدُ المنظورُ من هذين الإطاريْن الزّمنيَّين يحفِّزُنا على التّفكيرِ والتأمُّلِ في تصوُّرِ رؤيةٍ من الاتِّجاهاتِ والنَّزعاتِ التي تزامنت فعملَت على تشكيلِ مصيرِ العالمِ، وأن نقومَ بذلكَ ضمنَ إطارِ الرّؤيةِ الواضحةِ التي صوّرَها حضرةُ شوقي أفندي عند الشُّروع بمشاريع القوسِ التي رسمَها وصمَّمَها. وخلالَ فترةِ هذا المشروعِ اتّضحت جليَّاً تلكَ الرؤيةُ مع تقدِّمِ أعمالِ البناءِ على جبلِ الكرملِ، ومعَ اتّخاذِ زعماءِ العالمِ خطواتٍ جريئةً في رسمِ معالمِ هيكلِ السّلامِ السّياسي العالميّ، ومعَ ارتقاءِ المؤسّساتِ البهائيّةِ المحليةِ والمركزيةِ إلى مستوياتٍ جديدةٍ من مراحلِ تطوُّرِها. إننا نحملُ معنا ذكرى مقدّسةً باقيةً للقرنِ العشرينَ تحفِزُ طاقاتِنا وترسمُ لنا معالمَ الطّريقِ أيضاً: إنها ذكرى تلك اللّحظةِ التي تحملُ بذورَ النموِّ والتطوُّرِ من تاريخِ البشريّةِ عندما صمَّمَ مركزُ عهدِ حضرةِ بهاء الله، خلالَ فترةِ ولايتِه الفريدةِ، هيكلَ نظامٍ عالميٍّ جديدٍ، وعندما كرّس حضرةُ وليِّ أمرِ الله جُلَّ طاقاتِه فيما بعد، وخلالَ فترةٍ من أحلكِ السَّنواتِ وأخطرِها، لرفعِ صرحِ النِّظامِ الإداريّ، والذي يرتفعُ في نهايةِ القرنِ أمامَ أنظارِ العالمِ في تمامِ هيكلِه الأساسيّ. وهكذا نكونُ قد وصلنا إلى جسرٍ يربطُ بين الأزمنةِ. فالقدراتُ التي اكتُسبت خلالَ قرنٍ من كفاحِ وتضحيةِ ثُلَّةٍ من عُشَّاقِ حضرةِ بهاء الله، يجبُ توظيفُها الآن في تأديةِ المهامّ التي لا مفرَّ منها المتبقّية في عصرِ التّكوينِ، عصرٍ ستقودُ حتماً مراحلُهُ العديدةُ من العملِ المتواصلِ إلى ذلك العصرِ الذَّهبي لدينِنا عندما يعمُّ الصُّلحُ الأعظمُ كافّة أرجاءِ المعمورةِ.
نبدأ في هذا الرِّضوانِ بمشروعٍ من اثنيْ عشَرَ شهراً. ورغمَ قِصره، فإنّه لا بدّ وأن يكفي، وسوف يكفي بالتّأكيد، لإنجازِ بعضِ المهامِّ الحيويّةِ المحدَّدةِ وإرساءِ قاعدةِ للاندفاعِ في العملِ خلالَ العشرينَ سنةً المُقبلة من المشروعِ الإلهيّ لحضرةِ عبد البهاء. فما بدأناهُ بعنايةٍ وحرصٍ قبلَ أربعِ سنواتٍ من اكتساب المعرفةِ والخصالِ والمَهاراتِ الّلازمة للخدمةِ بأسلوبٍ منهجيٍّ منظَّمٍ يجب أن يزدادَ. فأينما وُجِدَت المعاهدُ المركزيّةُ والإقليميّةُ عليها أن تُفعِّلَ إلى أقصى حدٍّ تلكَ البرامجَ والأنظمةَ التي وضعتها. ويجبُ تأسيسُ معاهدَ جديدةٍ حيثُما دعت الحاجةُ. ويجبُ اتخاذُ خطواتٍ أكبرَ نحوَ عملٍ تبليغيٍّ منهجيٍّ قائمٍ بمبادراتٍ فرديةٍ وبرعايةِ المؤسّسات الأمريّة. ومن أجلِ تحقيقِ هذا الغرضِ إلى حدٍّ ما، أسَّسَ المستشارون والمحافلُ الروحانيةُ المركزيّةُ في عدَّةِ مناطقَ من كلِّ قارّةٍ "برامجَ نموّ المناطق". وستوفرُ نتائجُ هذه التّجارب مجموعةً من الخبراتِ ستعودُ بالنَّفعِ على المشاريعِ والخططِ المستقبليّةِ. فالفردُ والمؤسَّسةُ والجامعةُ المحليَّةُ مدعوّونَ لتركيزِ انتباهِهم وإيلاءِ عنايتهم بتلكَ المهامّ الأساسيّةِ حتى يكونوا على أُهْبةِ الاستعدادِ لمشروعِ السنواتِ الخمسِ الذي سيبدأُ في رضوانِ عام 2001 – وهو المشروعُ الذي سينقلُ العالمَ البهائيَّ إلى المرحلةِ المُقبلةِ من تطورِ عمليَّةِ الدُّخولِ في دينِ اللهِ أفواجاً.
إلا أن هناك تحدِّياً مُلحاً يتجاوزُ الاهتمامَ بهذهِ المهامّ يتحتَّمُ علينا مواجهتُه: فأطفالُنا تلزَمُهم التربيةُ الرّوحانيّةُ والانخراطُ في الحياةِ البهائيّةِ. وعلينا ألا نتركَهُم هائمين على وجوهِهِمْ صرعى تياراتِ عالمٍ موبوءٍ بالأخطارِ الأخلاقيّةِ. ففي مجتمعِ اليومِ يواجهُ الأطفالُ مصيراً قاسياً حرجاً. فالملايينُ والملايينُ في القطرِ تلوَ الآخرِ يعانونَ من التَّفكُّكِ الاجتماعيِّ، ويجدُ الأطفالُ أنفسَهم غرباءَ بين والديْنِ وأفرادٍ بالغين آخرين سواء عاشوا في بَحبوحةِ الغنى أو مرارةِ الفقرِ. ولهذه الغربة جذورٌ في مستنقعِ الأنانيّةِ التي تفرزُها الماديّةُ البحتةُ وتشكّلُ جوهرَ اللادينيّةِ المُستوليةِ على قلوبِ البشرِ في كلِّ مكانٍ. إنَّ التّفكُّكَ الاجتماعي للأطفالِ في وقتِنا الرّاهنِ مؤشرٌ أكيدٌ على مجتمعٍ منحلٍّ متفسِّخٍ. ومع ذلك، فهذا الأمرُ ليسَ حِكراً على عرقٍ أو طبقةٍ أو أمّةٍ أو وضعٍ اقتصادي معيّن، فالجميع مبتلىً به. وما يعتصرُ قلوبنَا ألماً مشاهدةُ عددٍ كبيرٍ من الأطفالِ في مختلفِ أرجاءِ العالمِ يُجَنَّدون في الجيشِ ويُستخدَمون عُمّالاً ويُباعون رقيقاً ويُكرَهون على ممارسةِ البغاءِ ويُجعلونَ مادّةً للمُنتجات والتّصاوير الإباحيّةِ، ويهجرهم آباؤهم المنشغلين بأهوائِهم الشّخصيةِ، ويقعون فريسةَ أشكالٍ أخرى لا حصرَ لها من الخداعِ والاستغلالِ. وكثيرٌ من هذه الفظائعِ يمارِسُها الآباءُ أنفسُهم مع أطفالِهم. وعليه لا يمكنُ تقديرُ الأضرارِ الرّوحانيّة والنّفسيّةِ النّاجمةِ عن ذلك. ولا يمكنُ لجامعتِنا البهائيّةِ أن تعيشَ في معزلٍ عن إفرازاتِ تلكَ الظّروفِ. إنّ وعيَنا بهذه الحقيقةِ يجبُ أن يدفعَنا جميعاً نحوَ العملِ الحثيثِ والجَهدِ الموصولِ لصالحِ الأطفالِ وسلامةِ المستقبلِ.
ورغم أنّ نشاطاتِ الأطفالِ كانت جُزءاً من المشاريعِ البهائيّةِ السَّابقةِ، إلا أنها لم تفِ بالحاجة. فالتّربيةُ الرّوحانيّةُ للأطفالِ والشبابِ النّاشئ ضروريّةٌ للغايةِ لإحرازِ مزيدٍ من التّقدمِ للجامعةِ. وعليه، فمن الواجبِ المُلِحّ معالجةُ هذا القصور. وعلى المعاهدِ أن تضعَ حتماً في برامجِها دوراتٍ لتدريبِ معلّمي أطفالِ بمقدورِهم تقديمُ خدماتِهم للجامعاتِ المحليةِ. ومع أن توفيرَ التّعليمِ الأكاديميّ والتّربيةِ الرّوحانيّةِ أمرٌ ضروريٌّ للأطفالِ، إلا أنه لا يمثلُ سوى جزءٍ ممّا يجبُ تقديمُهُ في سبيلِ تحسين أخلاقِهم وتشكيلِ شخصيّاتِهم. فالحاجةُ تكمنُ أيضاً في اتّخاذِ موقفٍ ملائمٍ تجاهَ أطفالِنا من قِبَل الأفرادِ والمؤسساتِ بكافةِ مستوياتِها، أي الجامعةِ بأسرِها، ليجدَ الأطفالُ عندهم الاهتمامَ الشاملَ بمصالحِهم. وموقفٌ كهذا يجبُ أن يبقى بعيداً كلَّ البُعد عن النّظامِ الاجتماعيّ السّائدِ الذي يتهاوى بسرعةٍ.
إنّ الأطفالَ هم أنْفَسُ كنزٍ يمكنُ للجامعةِ أن تمتلكَه، لأن فيهم نرى أملَ المستقبلِ وضمانَهُ. وهم الذين يحملون بذورَ الشّخصيّةِ التي سيكون عليها المجتمع في المستقبلِ والتي يشكّلها إلى حدٍّ كبيرٍ ما يفعلُه البالغون في الجامعةِ أو بما يُخْفِقُون في أدائه تجاهَ الأطفالِ. إنهم أمانةٌ لا يمكنُ لجامعةٍ فرّطت بها أن تفلتَ من العقابِ. فتطويق الأطفالِ بالمحبّةِ من الجميعِ، وأسلوبُ معاملتِهم، ونوعُ الاهتمامِ المبذولِ نحوَهم، وروحُ السُّلوكِ التي يتعامل بها الكبار معهم، كل ذلكَ يمثّلُ جزءاً من الجوانبِ الحيويّةِ للسّلوكِ والموقفِ المطلوبِ. فالمحبّةُ تستدعي النّظامَ والانضباطَ، والمحبّةُ تستلزمُ الشجاعةَ على تعويدِ الأطفالِ وتدريبِهم على الشّدائدِ، لا أن نتركَ العنانَ لنزواتِهم أو نترُكَهُم بالكلّيّةِ ليحقّقوا أهواءَهم. ويجبُ توفيرُ جوٍّ يشعر الأطفالُ فيه بانتمائِهم للجامعةِ فيشاركونَها أهدافَها وطموحاتِها. يجب توجيهُهم بمحبةٍ لا تخلو من الحزمِ للعيش وفقَ معاييرِ الحياةِ البهائيَّةِ، وأن يقوموا بدراسةِ الأمرِ المباركِ وتبليغِهِ بأساليبَ تتَّفقُ وظروفَهم.
هناك في الجامعةِ فئةٌ تعرفُ باسم "الشّبابِ النّاشئ" ولنقل أنّ أعمارَهم تتراوحُ بين 12-15 سنةً. هؤلاء يمثّلونَ مجموعةً خاصّةً ولها احتياجاتُها الخاصّةُ لأنّهم يقعون بين مرحلتيّ الطّفولةِ والشّبابِ، وفي مرحلةٍ تطرأ فيها تحوُّلات كثيرة بداخلهم. لذا، يجب إيلاءُ عنايةٍ واهتمامٍ خلاّقٍ لابتكار وسائل لدمجِهم في برامجَ ونشاطاتٍ تجتذبُ اهتماماتِهم وتصهرُ قُدُراتِهم في ميدانِ التّبليغِ والخدمةِ، وتُدْمِجُهُم في تفاعلٍ اجتماعيّ مع شبابٍ أكبرَ منهم سنّاً. كما يمكنُ للفنونِ إذا استُخدِمت بأشكالَ متعددةٍ أن تؤديَ دوراً قيِّماً عظيماً في تلكَ النشاطات.
والآن نودُّ أن نوجِّهَ بعضَ الكلماتِ للوالديْنِ اللذيْن يتحمَّلان المسؤوليةَ الأساسيةَ في تربيةِ أطفالِهم وتنشئتِهم. إننا نناشدُهم بذلَ الاهتمامِ المستمرِ لتربيةِ أطفالِهم تربيةً روحانيةً. ويبدو أن بعضَهم يعتقدُ بأن هذا النوعَ من التربيةِ يقعُ ضمنَ مسؤوليةِ الجامعةِ وحدَها، وآخرون يعتقدون بضرورةِ تركِ الأطفالِ دون تدريسِهم الأمرَ المباركَ حِفاظاً على استقلالِهم في التّحري عن الحقيقةِ. وهناك مَنْ يشعرون بأنّهم ليسوا أهلاً للقيامِ بهذه المُهمَّةِ. كلُّّ هذا خطأ. لقد تفضّلَ حضرةُ عبد البهاء "فُرِضَ على الوالديْن فرضاً بأن يُربِّيا أبناءَهما وبناتِهما ويعلِّماهم بمنتهى الهمَّةِ"، وأضاف أنّه "في حالِ قصورِهِما بهذا الصّدد فهُما مؤاخذان ومدحوران ومذمومان لدى الله الغيُّور". وبغضِّ النَّظرِ عن مستوى التّحصيل العلميّ للوالديْنِ تبقى مهمّتهما هامةً وحسّاسةً في صياغةِ التطوّر الرّوحانيّ لأطفالِهم. عليهما ألا يستخفّا بقدرتِهما في تشكيلِ شخصيةِ أطفالِهما الأخلاقيّة. لأنهما صاحبا التأثيرِ الأساسي عليهم بتأمينِ البيئةِ المناسبةِ في المنزلِ التي يَخْلقانها بحبِهم للهِ، والجهادِ من أجلِ تنفيذِ أحكامِه، واتّصافِهما بروحِ الخدمةِ لأمرِه، وتنزيهِهما عن شوائبِ التّعصبِ، وتحرّرِهما من شرورِ الغيبةِ المدمّرةِ. فكلُّ والدٍ مؤمنٍ بالجمالِ المباركِ يحملُ في عنقِه مسؤوليةَ السلوكِ الكفيلِِ بإظهارِ الطاعةِ التّلقائيّة للوالدينِ، وهي الطاعةُ التي توليها التعاليمِ المباركةِ قيمةً كبيرة. ومن الطبيعي أنّ الوالدين، إلى جانبِ أعبائِهما المنزليّةِ، عليهما واجبُ دعمِ صفوفِ تعليمِ الأطفالِ التي تنظّمها الجامعةُ. ويجبُ أن نضعَ نصبَ أعينِنا أيضاً أن الأطفالَ يعيشون في عالمٍ يخبرُهم بحقائقَ جافةٍ قاسيةٍ من خلالِ تجاربَ مباشرةٍ مجبولةٍ بالأهوالِ التي مرَّ ذكرُها، أو بما تنشرُه وسائلُ الإعلامِ من معلوماتٍ لا يمكنُ تفاديها، وكثيرٌ منهم يُساقون نحوَ البلوغِ قبل أوانِه، وبينهم أطفالٌ يبحثون عن قيمٍ ومعاييرَ تهدي خُطاهم في حياتِهم. وأمامَ هذه الخلفيّةِ القاتمةِ المشؤومةِ لمُجتمعٍ متفسِّخٍٍ متدهور، على الأطفالِ البهائيين أن يسطعوا نجوماً متلألئة رمزاً لمستقبلٍ أفضل.
تنتعشُ آمالُنا ونحنُ نتطلّعُ باشتياقٍ إلى اجتماع المستشارين القاريّين في الأرضِ الأقدسِ في كانون الثاني/ يناير عام 2001 بمناسبةِ الاحتفالِ بانتقالِ دارِ التّبليغِ العالميّةِ إلى مقرِّها الدَّائمِ على جبلِ الرَّبِّ، الذي يشاركُهم فيه أعضاءُ هيئةِ المعاونين من مختلفِ أقطارِ العالمِ. وسيكون هذا الاجتماع بلا شك، أحدَ الأحداثِ التّاريخيّةِ من عصرِ التّكوينِ هذا. فاجتماعُ كوكبةٍ من العاملين البهائيّين كهذه، وبحكمِ طابعِها الخاصّ، سيجلبُ بكلِّ تأكيدٍ منافعَ لا حصرَ لها لجامعةٍ تودِّعُ مشروعاً لتبدأ بآخر. وبينما نتأمّلُ ما نحنُ عليه، تتّجهُ قلوبُنا بالشُّكرِ والتَّقديرِ لأيادي أمرِ اللهِ جناب علي أكبر فروتن وجناب علي محمد ورقا اللّذيْن، بإقامتهما في الأرضِ الأقدسِ، يرفعان عالياً مشعلَ الخدمةِ الذي أشعله في قلبيْهما وليُّ أمرِنا المحبوب.
وببدءِ مشروعِ الاثنيّ عشرَ شهراً هذا نعبرُ جسراً لا عودةَ فيه. إننا نطلقُ هذا المشروعَ في غيابِ أمةِ البهاءِ روحيّة خانم عن هذا العالمِ جسديّاً. فقد بقيت معنا، حتى نهايةِ القرنِ العشرين تقريباً، ظلّت شعاعاً من النّورِ الذي أضاءَ تلكَ الفترةَ الفريدةَ من تاريخِ الجنسِ البشريّ. وفي ألواحِ الخطّةِ الإلهيّةِ تألّمَ حضرةُ عبد البهاء لعدمِ تمكّنِه من السّفرِ إلى أطرافِ العالمِ لرفعِ النّداءِ الإلهيّ، وفي غمرةِ حزنِه سطّرَ رجاءَه التّالي: "عسى أن تتمكّنوا أنتم من تحقيقِه إن شاء الله!" لقد لبّت أمةُ البهاءِ هذا النّداءَ بطاقةٍ لا تكلُّ وجابت أطرافَ الأرضِ النّائيةِ في (185) قطراً نالَ شرفَ عطائِها العميمِ. لقد خلّفت مثالاً متلألئاً أبداً، سوفَ ينيرُ قلوبَ الآلافِ والآلافِ من سُكّانِ هذه المعمورةِ. وأمامَ عجزِنا عن إيفائِها حقَّها، فهل لنا ألا نكرِّسَ جهودَنا المتواضعةَ خلالَ هذا المشروعِ في ذكرى من جعلتِ التبليغَ مُرادَها الأوّل ومصدرَ سعادتِها الحقيقيّةِ في الحياةِ؟
بيت العدل الأعظم
رسالة الرضوان لعام 2000
بقلوب ملؤُها الإعجاب بأتباع حضرة بهاء الله، يسرّنا أن نعلن، مع حلول موسم الرّضوان البهيج هذا، أنّ العملَ جار في استكمال برامج مكثّفة للنموّ جديدة في كلّ قارة من قارات العالم، ليرفع العدد الإجمالي في أنحاء العالم إلى ما يزيد عن الألف وخمسمائة برنامج، ويَضمن تحقيق هدف مشروع السّنوات الخمس قبل عام واحد من اختتامه. نحني رؤوسنا شكرًا وامتنانا لله العليّ القدير على هذا الإنجاز المذهل والنّصر الرائع. إنّ جميع الذين جاهدوا في الميدان سيقدّرون النّعمة التي أغدقها حضرته على جامعته في منْحها عامًا كاملاً لتقوية نمط التّوسّع والاستحكام الذي تأسّس الآن في كل مكان، استعدادًا للمهام التي ستُدعى إلى القيام بها في مشروعها العالميّ القادم – خطة مدّتها خمس سنوات، وهي الخامسة في سلسلة من الخطط هدفها الواضح المحدّد التقدّم بعمليّة الدّخول في دين الله أفواجًا.
تجيش عواطفنا إذ نتوقّف في هذه المناسبة الاحتفاليّة لنبيّن أنّ ما يثير في قلوبنا مثل هذا الشّعور العميق بالفخر والامتنان لا يعود إلى الإنجاز العدديّ الذي أحرزتموه، مع ما هو عليه من الرّوعة والأهميّة، بل يُعزى إلى مجموعة من التّطوّرات الأكثر عمقًا في مستوى الثّقافة التي يشهد لها هذا الإنجاز، وعلى رأسها الازدياد الذي لاحظناه في مقدرة الأحباء للتّحدث مع الآخرين في أمور روحانيّة، والتّكلم بطلاقة ويُسر عن شخص حضرة بهاء الله ورسالته. لقد أدركوا تمامًا أنّ التبليغ مطلب أساسيّ لحياة تتسّم بالجود والكَرَم.
وفي رسائل صدرت مؤخّرًا عبّرنا عن فرحتنا لمشاهدة الزّيادة الثّابتة في وتيرة التّبليغ في أنحاء العالم. فقيام المؤمن البهائيّ بهذا الواجب الروحانيّ الأساسيّ كان وسيبقى دومًا مظهرًا لا غنىً عنه من مظاهر الحياة البهائيّة. إنّ تأسيس 1500 برنامجٍ مكثّف للنموّ أوضح بشكل جليّ مدى ما تحلّى به جميع المؤمنين من الشجاعة والعزيمة في الخروج من نطاق دائرة أفراد الأسرة والأصدقاء التي تحيط بهم مباشرةً، وهم على أهبة الاستعداد لتقودهم يد الرّحمن وتهديهم إلى النّفوس المستعدّة حيثما أقامت. حتى أنّ التّقديرات الأقل تواضعًا تشير بأنّ هناك الآن عشرات الآلاف من المشاركين في حملات دوريّة لتأسيس روابط صداقة على أساسٍ من الفهم المشترك مع مَن كان يُنظر إليهم في السابق كغرباء.
وفي جهودهم الرّامية لتقديم أساسيّات الأمر المبارك بوضوح ودون مواربة، استفاد الأحباء بشكل كبير من المثال التّوضيحي في الكتاب السادس من سلسلة كتب معهد روحي. فلدى فهم المنطق الذي ينطوي عليه ذلك العرض، والتّغلب على دافع تحويله إلى صيغة صمّاء، فإنّه يرتقي إلى حديث بين روحيْن – حديث يتميّز بعمق الإدراك الذي اكتُسب وطبيعة العلاقة التي نشأت. وعندما يستمرّ الحديث إلى ما بعد اللّقاء الأوّل وتتكوّن صداقات حقيقيّة، فإنّ مجهودًا للتبليغ المباشر من هذا النوع يصبح عاملاً محفّزًا لعمليّة دائمة من التحوّل الرّوحانيّ. فلا يهم إذا كان الاتصال الأوليّ مع مثل هؤلاء الأصدقاء الجدد ينطوي على دعوتهم للانضمام إلى الجامعة البهائيّة أو المشاركة في أحد نشاطاتها، الأهم هو أن تشعر كلّ نفس بأنّها موضع ترحيب للانضمام إلى الجامعة والمساهمة في إصلاح المجتمع، والشّروع في السّير على طريق خدمة البشريّة الذي قد يحدث في بدايته أو أثنائه انضمام رسميّ للجامعة.
ينبغي أن لا نستهين بأهميّة هذا التطوّر، فحالما يتحقق نمطٌ ثابت من العمل في كلّ مجموعة جغرافيّة (cluster)، يجب إيلاء الاهتمام عندها بتوسعة نطاقه من خلال شبكة من الشّركاء في العمل والمعارف، وفي الوقت نفسه تركيز الطّاقات على قطاعات أصغر من السكّان لتصبح كلٌّ منها مركزًا لنشاط مكثّف. ففي مجموعة حضرية، يكون أفضل تحديد لمركز النشاط المكثف هذا هو حدود حيّ من الأحياء؛ وفي مجموعة طابعها الرئيسي ريفي، فإن قرية صغيرة تشكّل فضاءً اجتماعيًا مناسبًا لهذا الغرض. ومن الصّواب للّذين يخدمون في هذه المناطق، سواء كانوا من السكّان المحلّيين أو المبلّغين الزائرين، أن يروا عملهم على أنّه عمليّة بناء للمجتمع. ورغم أنّ الاتّصال الأول قد يكون عبارة عن زيارة أهل منزل دون موعد مسبق، إلاّ أنّ إطلاق تسمية مثل "من بابٍ إلى باب" على الجهود التبليغية لا ينصف هذه العمليّة التي تسعى إلى زيادة قدرة السّكّان ليتولوا مسؤوليّة تطوّرهم الروحانيّ والاجتماعيّ والفكريّ. فالنّشاطات التي تدفع هذه العمليّة التي يُدعى الأصدقاء الجدد للانخراط بها – اجتماعات تعزّز الطّابع التعبّدي للمجتمع؛ وصفوف ترعى عقول وقلوب الأطفال الغضّة؛ ومجموعات توجّه الطّاقات المتدفّقة للشّباب النّاشئ، وحلقات دراسيّة مفتوحة للجميع تمكّن النّاس من شتّى الخلفيّات من التقدّم على قدم المساواة واستكشاف تطبيق التّعاليم في حياتهم الفرديّة والجماعيّة- هذه النّشاطات ينبغي الحفاظ عليها أيضًا بمساعدة من خارج نطاق السّكان المحليّين لبعض الوقت. وبالطّبع، فمن المتوقّع أن تُستدام عملية مضاعفة هذه النشاطات الأساسيّة سريعًا من خلال الموارد البشريّة من أهل الحيّ أو القرية نفسها – من الرجال والنساء الحريصين على تحسين الظّروف الماديّة والروحانيّة في محيطهم. وبعد ذلك، لا بدّ أن يظهر تدريجيًا إيقاع منتظمٌ لحياة المجتمع، يتناسب وقدرة نواةٍ تتّسع دائرتها من الأفراد الملتزمين بتحقيق رؤية حضرة بهاء الله للنظم العالمي الجديد.
وفي إطار هذا السّياق يظهر التقبّل والاستعداد جليًّا في الرغبة بالمشاركة في عملية بناء المجتمع التي بدأتها النّشاطات الأساسيّة. ففي مجموعة جغرافيّة تلو الأخرى، حيث يجري العمل الآن ببرنامج مكثّف للنموّ، ستكون مهمّة الأحبّاء في العام المقبل هي التّبليغ في واحدة أو أكثر من مجموعات السكّان المستعدّين، مستخدمين أسلوبًا مباشرًا في عرض أساسيّات دينهم، والعثور على تلك النفوس التوّاقة لخلع رداء التّكاهل والتّكاسل الذي فرضه عليهم المجتمع والعمل جنبًا إلى جنب في أحيائهم وقُراهم لبدء عمليّة التحوّل الجماعيّ. فإذا ثابر الأحبّاء في مساعيهم لتعلّم طرق وأساليب بناء المجتمع في أماكن صغيرة بهذا النّحو، فإنّنا على يقين بأنّ الهدف الذي طالما نشدناه والذي يصبو إلى مشاركة عالميّة في شؤون الأمر المبارك، سيقطع مراحل عديدة ذات شأن ليكون في متناول اليد.
لمواجهة هذا التّحدّي، على الأحبّاء والمؤسّسات التي تقوم على خدمتهم، تقوية عمليّة المعهد في المجموعة الجغرافيّة، بزيادة عدد القادرين على العمل كمرشدين للحلقات الدراسيّة ضمن حدود المجموعة زيادة ملحوظة؛ لأنه يجب أن ندرك بأنّ الفرصة المتاحة أمام الأحبّاء الآن لتعزيز حياة مجتمع نابضة بالنّشاط في الأحياء والقرى، تتّسم بمثل هذا الحسّ القويٌّ بالهدف، لم تكن لتتوفّر إلاّ بفضل التطوّرات الحاسمة التي طرأت خلال العقد الماضي على ذلك الجانب من الثّقافة البهائيّة المتعلّق بالتّعمق.
عندما دعوْنا في كانون الأول / ديسمبر عام 1995 لتأسيس المعاهد التدريبيّة في جميع أنحاء العالم، كان النمط الأكثر انتشارًا في الجامعة البهائية لمساعدة أفراد المؤمنين على تعميق معرفتهم بأمر الله، يتكوّن أساسًا من دورات وصفوف غير منتظمة تدوم لفترات مختلفة وتتناول مواضيع متنوّعة. لبّى هذا النمط احتياجات جامعة بهائيّة عالميّة ناشئة، قليلة العدد نسبيًا ومهتمّة أساسًا بانتشارها الجغرافي في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك أوضحنا في حينه، أنّ ثمّة مقاربة أخرى لدراسة الكتابات البهائيّة يجب أن تتشكّل، مقاربة تدفع بأعداد كبيرة إلى ميدان العمل، إذا أُريد لعملية الدخول في دين الله أفواجًا أن تتسارع على نحو ملحوظ. وفي هذا الصدد، طلبنا أن تقوم المعاهد التدريبيّة بمساعدة أعداد متزايدة من المؤمنين على خدمة أمر الله من خلال توفير دورات تمنح المعرفة والبصيرة والمهارة اللاّزمة للقيام بالمهام العديدة المرتبطة بالتوسع والاستحكام المتسارعيْن.
إن قراءة كتابات الأمر المبارك والسعي للوصول إلى فهم أوفى لمغزى ظهور حضرة بهاء الله المذهل واجب مفروض على كل فرد من أتباعه، فالكلّ مأمور بالاغتماس في بحر ظهوره والأخذ من لئالئ الحكمة المستقرّة في أعماقه كلٌّ على قدر وُسعه ورغبته. وفي ضوء هذا، فإنّ صفوف التعمق المحلّية والمدارس الشتويّة والصيفيّة والاجتماعات المنظّمة لأهداف خاصّة والتي يقوم خلالها أفراد المؤمنين من ذوي المعرفة والدراية بالكتابات البهائيّة بمشاركة الآخرين ببصيرتهم في مواضيع محددّة، قد ظهرت بشكل طبيعي كملامح بارزة للحياة البهائيّة. وكما ستظل عادة القراءة اليومية جزءًا لا يتجزّا من الهويّة البهائيّة، كذلك ستستمر هذه الأشكال من الدراسة تحتلّ مكانًا في الحياة الجماعيّة للجامعة. إلاّ أنّ فهم مضامين الظّهور الإلهيّ سواء من منطلق نموّ الفرد أو تقدّم المجتمع يزداد أضعافًا مضاعفة عندما يتم الجمع بين الدّراسة والخدمة والقيام بهما في آنٍ معًا. فهناك في ميدان الخدمة توضع المعرفة موضع الاختبار وتبرز الأسئلة نتيجة الممارسة ويتم الارتقاء إلى مستويات جديدة من الفهم والإدراك. وفي نظام التّعليم عن بُعد الذي تأسس الآن في قطر تلو الآخر – والذي تشمل عناصره الرئيسة الحلقة الدراسية، والمرشد والمنهاج الدراسي لمعهد روحي - اكتسبت الجامعة البهائية في جميع أنحاء العالم القدرة لتمكين الآلاف، بل الملايين، من دراسة الكتابات البهائية في مجموعات صغيرة لتحقيق هدف صريح واضح هو ترجمة التعاليم البهائية إلى واقع ملموس والتقدّم بعمل الأمر المبارك إلى مرحلته التّالية: توسع واستحكام واسع النّطاق مستدام.
فليقدّر الجميع الإمكانات التي أوجدها هذا النّهج، إنّ السّلبية واللامبالاة تتولّد من قوى المجتمع في الوقت الحاضر، فالرّغبة في التّسلية والتّرفيه تتمّ رعايتها منذ الطّفولة وبفعاليّة متزايدة، لتُنشئ أجيالاً ترغب أن يقودها أيّ شخص يُثبت مهارته في إغواء المشاعر السطحيّة. وحتّى في العديد من الأنظمة التعليميّة يُعامَل الطّلاب وكأنّهم أوعية صُممّت لتلقّي المعلومات. إنّ نجاح العالم البهائيّ في تطوير ثقافة تعزّز نهجًا للتّفكير والدّراسة والعمل حيث يَعتبر الجميع أنفسهم يسلكون طريقًا واحدًا مشتركًا للخدمة – يدعم كلٌّ منهم الآخر، ويتقدّمون معًا، ويحترمون المعرفة التي يملكها كلّ واحد منهم في أيّة مرحلة معيّنة، ويجتنبون الميل لتقسيم المؤمنين إلى فئات كالمتعمّقين والجاهلين - لهو إنجاز ذو أبعاد هائلة. وفي هذا تكمن ديناميكية حركة لا يمكن كبحها.
ولا بدّ من الارتقاء بنوعية العمليّة التعليميّة المتَبنّاة على مستوى الحلقة الدراسيّة على نحو ملحوظ خلال العام القادم لكي تتحقّق لدى السّكان المحليّين الإمكانيّة لإيجاد مثل هذه الديناميكيّة. وسيقع عبء كبير على عاتق أولئك الذين يخدمون كمرشدين في هذا المجال. فالتّحدي الماثل أمامهم هو توفير المحيط الذي تمّ تصوّره لدورات المعهد، محيط مواتٍ لتقوية الرّوحانيّة لدى الأفراد الذين يرون أنفسهم عناصر فاعلة لتعلّمهم الشّخصي، وأنصار مساعٍ مستمرّة في تطبيق المعرفة لتحقيق التحوّل الفرديّ والجماعيّ. وإذا لم يحدث هذا، لن تتولّد القوى اللاّزمة لإحداث التغيير مهما بلغ عدد الحلقات الدراسيّة المشكّلة في المجموعة الجغرافية.
وإذا كان لعمل المرشد أن يرتقي إلى مستويات أعلى وأعلى من الامتياز، فيجب أن لا يغيب عن البال أنّ المسؤوليّة الرئيسيّة لتنمية الموارد البشريّة في المنطقة أو الدّولة تقع على عاتق المعهد التدريبي. فبينما يكافح المعهد لزيادة عدد المشاركين، عليه، كهيكل – من الإدارة إلى المنسّقين في مختلف المستويات إلى المرشدين العاملين في مستوى القاعدة - أن يركّز بنفس القدر على فعاليّة النّظام في مجمله، لأنّه، في التّحليل النّهائيّ، تبقى المكاسب العدديّة المستدامة مشروطة بالتّرقي النوعيّ. وعلى المنسّق في مستوى المجموعة الجغرافيّة أن يُضفي الخبرة العمليّة والديناميكيّة على الجهود التي يبذلها في مرافقة الذين يخدمون كمرشدين، وعليه أن يرتّب لهم اجتماعات دوريّة لمراجعة وتقييم مساعيهم، حيث ثبت أنّ تنظيم مناسبات لإعادة دراسة أجزاء مختارة من مواد المعهد بين الحين والآخر يكون مفيدًا، شريطة ألاّ يرسّخ ذلك في الأذهان الحاجة إلى التّدريب الدّائم. إنّ قدرات المرشد تتطوّر وتنمو تدريجيًّا عندما يدخل الفرد إلى ميدان العمل ويساعد الآخرين على المساهمة في تحقيق هدف سلسلة الخطط العالميّة الحاليّة من خلال دراسة سلسلة الدّورات وتطبيق الجزء العملي منها. وبينما يتقدّم الرّجال والنّساء من مختلف الأعمار عبر السّلسلة وينهون دراستهم لكلّ دورة بمساعدة المرشدين، يجب أن يستعدّ آخرون لمرافقتهم في أعمال الخدمة طبقًا لقدراتهم واهتماماتهم – وخاصة المنسّقون المسؤولون عن صفوف الأطفال ومجموعات الشّباب الناشئ والحلقات الدراسيّة، فأعمال الخدمة لها أهميّة حاسمة لاستمرار النّظام نفسه. إنّ ضمان وجود درجة مناسبة من الحيويّة تنبض من خلال هذا النّظام سيبقى هدف التعلّم المكثّف في كل قطر على مدى الإثني عشر شهرًا القادمة.
إنّ الاهتمام بالتّربية الروحانيّة للأطفال كان منذ وقت طويل مضى عنصرًا من عناصر ثقافة الجامعة البهائيّة، اهتمام أفضى إلى واقعين متواجدين معًا. أحدهما، يحاكي الإنجازات التي حقّقها البهائيون في إيران، تميّز بالقدرة على توفير دروس منهجيّة منظّمة، تتدرّج من صفّ إلى صفّ، لأطفال الأسر البهائية، تهدف عمومًا إلى منح المعرفة الأساسيّة في تاريخ الأمر المبارك وتعاليمه للأجيال الصّاعدة. وفي معظم أنحاء العالم كان عدد المستفيدين من مثل هذه الصّفوف صغيرًا نسبيًّا. والواقع الآخر برز في مناطق شهدت انضمامًا رسميًّا إلى الأمر المبارك على نطاق واسع سواء في المناطق الريفيّة أو الحضريّة، وهيمن على هذه التجربة موقف أكثر شموليّة. ولكن بينما كان الأطفال من عائلات مختلفة متشوّقين ومرحّبٌ بهم لحضور الصّفوف البهائيّة في وقت من الأوقات، إلا أنّ عوامل متعدّدة حالت، عامًا بعد عام، دون إدارة الصّفوف بالمستوى اللاّزم من الانتظام. كم نحن سعداء الآن لرؤية هذه الازدواجيّة وقد بدأت بالزّوال نتيجة لظروف تاريخيّة، والأحبّاء الذين درّبتهم المعاهد يجهدون في كل مكان لتقديم صفوف مفتوحة للجميع على أساس منهجيّ منظم.
بدايات واعدة كهذه ينبغي متابعتها الآن بكل قوّة. ففي كل مجموعة جغرافيّة يجري فيها برنامج مكثف للنمو، لا بدّ من بذل الجهود لتحقيق درجة أعلى من التنظيم المنهجي في توفير التّربية الروحانيّة لإعداد متزايدة من الأطفال من أسَرٍ متعدّدة الخلفيّات- وهو متطلّب أساسيّ لاكتساب عمليّة بناء المجتمع زَخَما في الأحياء والقرى. وسيكون ذلك مهمة شاقّة، مهمة تتطلب الصّبر والتّعاون من جانب الوالدين والمؤسسات على حد سواء. ولقد طُلب من معهد روحي بالفعل الإسراع في وضع خطط لاستكمال مقرراته التعليمية لتدريب معلمي صفوف الأطفال على مختلف المستويات بما في ذلك الدروس ذات العلاقة، بدءا بالأطفال من سن 5 أو 6 سنوات وصولا إلى من هم في سن 10 أو 11 عامًا، وذلك لسد الفجوة القائمة بين الدروس الموجودة حاليا والكتب الخاصّة بالشّباب النّاشئ مثل "الروح الإيماني" والكتاب القادم بعنوان "قوة الرّوح القدس"، اللذيْن يوفّران محتوى بهائيًّا واضحًا لبرنامج تلك الفئة العُمرية. ومع توفر هذه الدّورات والدروس الإضافية، سيصبح بمقدور المعاهد في كل قطر إعداد المدرسين والمنسقين اللازمين لكيّ تضع في حيّز التّنفيذ، وفي صفٍّ تلو الآخر، نواة برنامج تّربية روحانيّة للأطفال يمكن أن تنظم عناصر ثانوية حوله. وفي نفس الوقت، ينبغي على المعاهد أن تبذل قصارى جهدها لتزويد المعلمين بالمواد المناسبة، من بين المواد الأخرى المتوفرة حاليا، لاستخدامها في صفوف الأطفال من مختلف الأعمار حسب ما تقتضيه الحاجة.
إنّ دار التبليغ العالميّة تستحقّ منّا دومًا كلّ امتنان وتقدير للدّفعة الحيويّة التي قدمتها للجهود المبذولة لضمان الإنجاز المبكّر لهدف خطة السنوات الخمس. فمشاهدة مدى الطّاقة التي أضفتها على هذا المشروع العالميّ، ومتابعتها عن كثب التّقدم في كل قارة وتعاونها على نحو وثيق مع المشاورين القاريّين، تعطي لمحة عن القوة الهائلة الكامنة في النظام الإداري. ومع توجيه دار التبليغ العالميّة اهتمامها الآن بحماس مماثل حيال مسائل تتعلق بمدى فعالية النّشاطات على مستوى المجموعة الجغرافيّة، فإنّها بلا شك ستولي اهتمامًا خاصًّا لإقامة صفوف الأطفال البهائية. كلّنا ثقة بأنّ تحليلها للتّجارب المكتسبة في عدد من المجموعات المنتقاة خلال العام القادم، والتي تمثّل واقعًا اجتماعيًّا في جوانبه العديدة المتنوّعة، ستلقي الضّوء على المسائل العمليّة التي تجعل بالإمكان تأسيس صفوف منتظمة للأطفال من مختلف الأعمار في الأحياء والقرى.
إنّ الانتشار السّريع لبرنامج التّمكين الرّوحاني للشّباب النّاشئ لهو تعبير آخر عن التّقدم الثّقافي في الجامعة البهائيّة. فبينما تُبرِز الاتّجاهات العالميّة صورة هذه الفئة العمرية على أنها صعبة المراس، تائهة في خِضّم انفعالات تغيير جسمانيّ وعاطفيّ عنيف، غير متجاوبة، ومستغرقة في ذاتها، نجد الجامعة البهائية – من خلال اللّغة التي تستخدمها والمقاربات التي تتبناها- تتحرك بلا تردّد في الاتّجاه المعاكس، فترى في الشباب الناشئ، عوضًا عن ذلك، صفات الإيثار، والإحساس المرهف بالعدل، والشّغف إلى معرفة الكون والرّغبة في المساهمة في بناء عالم أفضل. وقصة تلو الأخرى، يعبّر فيها شباب ناشئ في بلدان من مختلف أنحاء العالم عن أفكارهم كمشاركين في البرنامج، تشهد على صحة هذه الرّؤية. وكل الدلائل تشير إلى أنّ البرنامج يوظّف وعي الشّباب المتنامي في استكشاف الواقع الذي يساعدهم على تحليل قوى البناء والهدم التي تعمل في المجتمع وإدراك النّفوذ الذي تؤثّر به هذه القوى على أفكارهم وأفعالهم، ممّا يشحذ بصيرتهم الروحانيّة، ويعزّز قوى التّعبير لديهم، ويقوّي البُنى الأخلاقيّة التي سيستفيدون منها طوال حياتهم. ففي العمر الذي تصبح فيه القوى الفكرية والروحانية والمادية الناشئة في متناولهم، يحصلون على الأدوات اللازمة ليكافحوا القوى التي من شأنها أن تسلبهم هويّتهم الحقيقيّة كمخلوقات نبيلة ويعملوا من أجل الصّالح العام.
كون المحتوى الرئيسي للبرنامج يتناول المواضيع من منظور بهائي، ولكن ليس بأسلوب تدريس دينيّ، فإنه قد فتح الطريق أمام توسيع نطاقه ليشمل الشباب الناشئ في بيئات وظروف متنوعة. لذا ففي العديد من حالات كهذه، فإن القائمين على تنفيذ البرنامج يدخلون بثقة مجال العمل الاجتماعي، ويواجهون مجموعة من الأسئلة والاحتمالات التي تجري متابعتها وتنظيمها في عمليّة من التعلم عالمية النّطاق من قِبَل مكتب التّنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة في الأرض الأقدس. إن كمّ المعرفة والخبرة المتراكمة قد ولّد قدرةً لدى العديد من المجموعات الجغرافية المنتشرة في كافة أنحاء المعمورة لاستدامة العمل في كلّ منها مع ما يزيد عن الألف شاب ناشئ في البرنامج. ولمساعدة الآخرين للتقدم بسرعة في هذا الاتجاه، يعمل المكتب، بمساعدة جَمْع من المؤمنين، على تأسيس شبكة من المواقع في كافة القارات يمكن استخدامها لتوفير التدريب للمنسقين القادمين من عشرات تلو العشرات من المجموعات. وتواصل تلك الموارد البشريّة المتخصّصة، بعد عودتها إلى مجموعاتها، تقديم الدّعم للمنسقين لتمكّنهم من خلق بيئة مشحونة بالرّوحانيّة تتيح لبرنامج الشباب الناشئ أن يتجذّر فيها.
ومع أنّ نمط العمل قد أصبح واضحًا، إلاّ أنّه من المؤكد أن المزيد من المعرفة ستتحقّق وتتنامى في هذا المجال. إنّ قدرة الجامعة البهائيّة هي وحدها التي تحدّ من مدى استجابتها للطلب على هذا البرنامج من قِبَل المدارس والجماعات المدنيّة. وفي المجموعات الجغرافية التي هي اليوم مراكز نشاط للبرنامج المكثف للنمو، هناك طيف واسع من الظروف تتراوح بين تلك التي فيها مجموعات متفرقة من الشباب الناشئ إلى تلك التي تحافظ على عدد كاف من المجموعات تتطلب خدمات منسق يكرّس وقته لهذا العمل، ويمكن أن يتلقّى دعمًا مستمرًّا من أحد مواقع نشر التّعلم. ولضمان ازدياد هذه المقدرة في جميع هذه المجموعات الجغرافية، فإنّنا ندعو لتشكيل 32 موقعًا للتعلم، يخدم كل منها حوالي عشرين مجموعة ولها منسّق بدوام كامل، لتبدأ عملها بحلول نهاية الخطة الحالية. وفي جميع المجموعات الجغرافية الأخرى المماثلة، ينبغي إعطاء الأولوية خلال السنة القادمة لإيجاد القدرة على تقديم البرنامج ومضاعفة عدد مجموعات الشباب الناشئ بشكل منهجي.
*
إنّ التطورات التي ذكرناها حتى الآن- ازدياد القدرة على تبليغ أمر الله بشكل مباشر والدخول في نقاش هادف في مواضيع ذات أهميّة روحانيّة مع أناس من كافة المشارب، ونشوء مقاربة لدراسة الآثار المباركة تقترن بالعمل، وتجدّد الالتزام بتوفير التّربية الرّوحانيّة للصّغار في الأحياء والقرى بشكل منتظم، وانتشار تأثير برنامج يغرس في الشباب الناشئ الحسّ بالهدف الأخلاقي المزدوج ألا وهو تطوير قدراتهم الكامنة والمساهمة في تغيير المجتمع- كل هذه التطورات تعزّزت على نحو كبير بتقدم آخر على مستوى الثقافة، تقدّم له آثار بعيدة المدى بالتّأكيد. ويمكن ملاحظة هذا التّطوّر في الوعي الجماعي من خلال ازدياد وتيرة استخدام كلمة "مرافقة" بين الأحباء في محادثاتهم، وهي كلمة أضفى عليها اندماجها مع المفردات الشائعة للجامعة البهائية معنىً جديدًا. إنّها مؤشّر على التّعزيز الهام لثقافة يكون فيها التّعلّم هو أسلوبُ العمل، وهو أسلوبٌ يعزّز المشاركة الواعية لمزيد ومزيد من الناس في جهود موحّدة لتطبيق تعاليم حضرة بهاء الله في بناء مدنيّة إلهيّة، والتي يتفضل حضرة ولي أمر الله بأنها الهدف الأساسي لأمر الله. إنّ في مثل هذه المقاربة تباينًا صارخًا مع الإفلاس الروحانيّ والأساليب المحتضِرة لنظام اجتماعيّ عتيق غالبا ما يلجأ إلى تسخير الطاقة البشريّة عن طريق الهيمنة والجشع والشّعور بالذّنب والتّلاعب.
وفي علاقات الأحباء بعضهم ببعض، يجد هذا التطور في الثقافة تعبيرًا عنه في نوعيّة التّفاعل فيما بينهم. فالتعلّم كأسلوب للعمل يتطلب التّواضع من الجميع، وهو وضعٌ يُعرِض فيه المرء عن نفسه، ويضع ثقته الكاملة في الله، متوكلاً على قدرته، واثقًا من عونه، مدركًا أنه هو سبحانه وحده القادر على أن يجعل الذّباب عقابًا والقطرة بحرًا موّاجًا. وفي مثل هذه الحالة تعمل النفوس معًا بمنتهى الهمّة، مبتهجة، ليس بإنجازاتها، بل بتقدم الآخرين وخدماتهم. فتكون أفكارهم مركّزة باستمرار على مساعدة بعضهم بعضًا للارتقاء إلى أعلى درجات الخدمة لأمر الله والتّحليق في سماء عرفانه. هذا هو ما نراه في النّمط الحاليّ من النشاط الآخذ بالتكشّف في جميع أنحاء العالم، والذي يقوم على نشره شيبًا وشبّانًا، مُخضْرمين ومنضمّين حديثًا، يعملون معًا جنبًا إلى جنب.
إنّ هذا التّقدّم في الثقافة لا يؤثّر في علاقات الأفراد بعضهم ببعض فحسب، بل يمكن أيضًا رؤية آثاره في تصريف الشّؤون الإداريّة لأمر الله. فبعد أن تميّز أسلوب عمل الجامعة بالتّعلُم، أُوكِلَت بعض نواحي صنع القرار المتعلّقة بالتوسّع والتمكين إلى مجموعة المؤمنين ممّا جعل التّخطيط والتّنفيذ أكثر استجابة للظّروف على أرض الواقع. وعلى وجه التّحديد، تمّ إيجاد فضاء، هو اجتماع المراجعة والتّقييم، لأولئك المنخرطين في النشاطات على مستوى المجموعة الجغرافيّة للاجتماع من وقت لآخر للوصول إلى اتّفاق في الآراء بشأن وضعهم الراهن، في ضوء الخبرة المكتسبة والهداية المتأتيّة من المؤسّسات، ولتحديد خطواتهم الفوريّة القادمة. وفضاء مماثل آخر تمّ فتحه من قبل المعهد يتيح لأولئك الذين يخدمون كمرشدين، ومعلّمي صفوف الأطفال، ومحرّكي مجموعات الشّباب النّاشئ في المجموعة الجغرافيّة، لاجتماع كلّ فئة على حدة والتّشاور حول تجاربهم. ووثيق الصّلة بعمليّة التّشاور هذه التي تتمّ في مستوى القاعدة، هناك هيئتا المعهد التدريبي ولجنة تبليغ المنطقة، إضافة لأعضاء هيئة المعاونين والذين يتيح تفاعلهم المشترك فضاءً آخر تُتّخذ فيه القرارات المتعلّقة بالنّموّ، ولكن بدرجة أعلى من الرّسمية في هذه الحالة. إنّ أسلوب العمل في مستوى المجموعة الجغرافيّة هذا، وهو وليد الحاجة، يشير إلى سمة هامّة من سمات الإدارة البهائيّة: وكأنّها كائن حيّ، تكمن فيها القدرة على استيعاب درجات أعلى وأعلى من التّعقيد، من حيث الهيكليّة والعمليّات، والعلاقات والنّشاطات، لأنها تنشأ وتتطوّر في ظلّ هداية بيت العدل الأعظم.
وكون مؤسّسات الأمر المبارك على كافّة المستويات – من المستوى المحليّ والإقليميّ إلى المركزيّ والقاريّ- قادرة على إدارة مثل هذا التّعقيد المتزايد ببراعة أكبر وأكبر لهو علامة من علائم نضجها المطّرد وحاجة من حاجاتها في آن معًا. إنّ العلاقات الآخذة في التّطوّر بين الهياكل الإداريّة قد أوصلت المحفل الرّوحانيّ المحليّ إلى عتبة مرحلة جديدة في ممارسة مسؤوليّاته في نشر الكلمة الإلهيّة، وحشد طاقات المؤمنين، وإيجاد بيئة محفّزة للسموّ الرّوحانيّ. لقد أوضحنا في مناسبات سابقة بأن نضج المحفل الروحانيّ المحليّ لا يمكن تقييمه بانتظام اجتماعاته وكفاءة عمله فقط. بل يجب قياس مقدرته، إلى حدّ كبير، بحيويّة الحياة الرّوحانيّة والاجتماعيّة للجامعة التي يخدمها - جامعة متنامية ترحّب بالمساهمات البنّاءة لأفرادها من المنضمّين وغير المنضمّين رسميًّا. ومما يثلج الصدر أن نرى أن المقاربات والأساليب والأدوات الحاليّة توفّر الوسائل للمحافل الروحانيّة المحليّة، وحتى تلك المشكّلة حديثًا، للاضطلاع بهذه المسؤوليّات بينما تشرع في ضمان تحقيق متطلّبات خطّة الخمس سنوات في مناطقها. وبالطّبع فإن مشاركة المحفل التّامة في الخطّة تصبح أمرًا حاسمًا في كلّ محاولة لاحتضان أعداد كبيرة - وهي في حدّ ذاتها شرط أساسيّ لظهور كامل قدراته وطاقاته.
إنّ تطوّر المحافل الرّوحانيّة المحليّة الذي سنشهده بالتّأكيد في غضون السّنوات القليلة القادمة سيتحقّق بفضل تنامي قوّة المحافل الرّوحانيّة المركزيّة التي ارتقت قدرتها على التّفكير والعمل الاستراتيجيّ على نحو ملموس، خاصّة عندما تعلّمت تحليل عمليّة بناء الجامعة على مستوى القاعدة ببراعة وفاعلية متزايدة، وتزويدها، كلّما استدعت الحاجة، بالمساعدة والموارد والتّشجيع والتّوجيه الحبّيّ. وفي الأقطار التي تقتضي ظروفها ذلك، أحالت تلك المحافل عددًا من مسؤوليّاتها بهذا الخصوص إلى المجالس الإقليميّة، مطبّقة اللاّمركزية في مهامّ إداريّة معيّنة، ومعزِّزة القدرة المؤسّسيّة في مناطق ضمن نطاقها الإداريّ، ومشجّعة المزيد من التّفاعلات المعقّدة. ولا نبالغ في القول بأنّ المشاركة الكاملة من جانب المحافل الرّوحانيّة المركزيّة كان لها دور فعّال في توليد قوّة الدّفع النّهائيّة المطلوبة لتحقيق هدف الخطّة الحاليّة، ونتوقّع أن نرى مزيدًا من التطوّرات في هذا الاتّجاه لدى قيام المحافل الرّوحانيّة المركزيّة، بالتّنسيق مع المشاورين، ببذل أقصى الجهد لتهيئة جامعاتها للشّروع في خطّة السّنوات الخمس التّالية في غضون الأشهر الحاسمة القادمة التي ستنقضي كلمح البصر.
إنّ تطوّر مؤسّسة المشاورين يشكّل، دون شكّ، واحدًا من أهم التطوّرات في الإدارة البهائيّة إبّان العقد الماضي. فقد حقّقت تلك المؤسّسة قفزات استثنائيّة في تطوّرها عندما اجتمع المشاورون وأعضاء هيئات المعاونين في الأرض الأقدس في كانون الثّاني/يناير 2001 في المؤتمر بمناسبة استقرار دار التّبليغ العالميّة في مقرّها الدّائم على جبل الكرمل. ولا شكّ أنّ الطّاقات التي أطلقها هذا الحدث قد دفعت بالمؤّسّسة قُدُمًا بسرعة. إنّ مدى التّأثير الذي أحدثه المشاورون ومعاونوهم في تقدّم الخطّة لهو خير برهان على أنّهم أخذوا مكانهم الطّبيعي في طليعة ميدان التّبليغ. إنّنا واثقون بأنّ العام القادم سيربط بأشدّ ممّا مضى مؤسّسات النّظام الإداريّ معًا في التّعاون والتّعاضد، حيث يجهد الجميع، كلٌّ وفق مهامّه ومسؤوليّاته المتطوّرة، لتقوية نمط التّعلّم الذي أصبح سمةً بارزةً لعمل الجامعة- وهذا من أكثر الأمور إلحاحًا في المجموعات الجغرافيّة التي تجري فيها برامج مكثّفة للنّمو.
*
إنّ رسالة حضرة بهاءالله رحبة واسعة، لا تدعو إلى تغيير عميق في مستوى الفرد فحسب، بل في هيكل المجتمع أيضًا. ألم يُعلن حضرته بأنّ: "المقصود من كلّ ظهور التّغيير والتّبديل في أركان العالم سرًّا وجهرًا وظاهرًا وباطنًا"؟ إنّ العمل الجاري في كلّ زاوية من أكناف الأرض اليوم يمثّل المرحلة الأحدث من المساعي البهائيّة الجارية لخلق نواة المدنيّة العظيمة المكنوزة في تعاليم حضرته والتي يُعتبر بناؤها مشروعًا لامتناهٍ في تعقيده ومداه، مشروعًا يتطلّب قرونًا من جهد الإنسانيّة ليعطي أُكُلَه. ليست هناك طرق مختصرة ولا صِيَغ محدّدة، بل عندما تُبذل الجهود لاستخلاص البصيرة من آثاره المباركة، والاستفادة من المعرفة المتراكمة للجنس البشري، وتطبيق تعاليمه بذكاء وفطنة في حياة البشر، والمشورة حول المسائل التي تبرز، عندها فقط يتحقّق التّعلّم الضّروري وتنمو القدرة اللاّزمة.
في عمليّة بناء القدرة طويلة الأمد هذه، كرّست الجامعة البهائيّة حوالي عقدًا ونصف عقدٍ من الزّمن في منهجة خبراتها في مجال التّبليغ، وتعلّمت كيف تفتح نشاطات معيّنة لعددٍ متنامٍ من النّاس وتستديم عمليّتي توسّعها واستحكامها. فالجميع مرحّب بهم للدّخول إلى حضن الجامعة الدّافئ والتّناول من مائدة رسالة حضرة بهاء الله المحيية للأرواح. فبالتّأكيد لا فرح يضاهي فرح نفس توّاقة للحقيقة تجد لنفسها ملجئًا وملاذًا في حصن أمر الله وتستمدّ العزم من القوّة الموحِّدة للعهد والميثاق. ومع ذلك فبمقدور كلّ إنسان وكلّ مجموعة من الأفراد، سواء كانوا من أتباع حضرته أم لا، أن يستلهموا من تعاليمه، وينتفعوا من أيٍّ من جواهر حكمته ومعرفته التي ستساعدهم على التّصدّي للتّحدّيات التي يواجهونها. في الواقع، إنّ المدنيّة التي تومئ للبشريّة لن تتحقّق بجهود الجامعة البهائيّة وحدها. فإنّ أعدادًا كبيرة من الجماعات والمنظّمات التي تحرّكها روح التّضامن العالمي، وهي مظهر غير مباشر لرؤية حضرة بهاءالله لمبدأ وحدة الجنس البشري، ستساهم في المدنيّة المقدّر لها أن تبرز من الفوضى والاضطراب اللذيْن يسودان مجتمع اليوم. يجب أن يكون واضحًا للجميع بأنّ القدرة التي تولّدت في الجامعة البهائيّة على مدى الخطط العالميّة المتعاقبة تجعلها قادرةً بشكل كبير على مدّ يدّ العون في بناء المدنيّة بمجالاتها المتنوّعة والمتعدّدة الأبعاد، فاتحة أمامها آفاقًا جديدة للتّعلّم.
في رسالة الرضوان 2008، أشرنا إلى أنّه مع مواصلة الأحبّاء العمل على مستوى المجموعة الجغرافيّة، سيجدون أنفسهم منخرطين أكثر فأكثر في حياة المجتمع، وسيواجهون تحدٍّيًا لتوسِعة عمليّة التعلُّم المنهجيّ الّتي يتّبعونها لتشمل طيفًا متناميًا من المساعي الإنسانيّة. ففي كلّ مجموعة، يبدأ نسيج غنيّ لحياة المجتمع في البروز عندما تحاك نشاطات العبادة الجماعيّة التي تتخلّلها نقاشات تجري في جوّ منزليّ حميم، مع أنشطة توفّر تربية روحانيّة لجميع السّكان- بالغين، وشبابًا وأطفالاً. ويزداد الوعي الاجتماعيّ بشكل طبيعيّ كلّما تضاعفت، على سبيل المثال، النّقاشات المفعمة بالحياة بين الوالدين بخصوص طموحات أبنائهم ومشاريع الخدمة التي تنبثق عن مبادرات الشّباب النّاشئ. وما أن تصبح الموارد البشرية متوفّرة بشكل كافٍ في المجموعة، ويترسخ نمط النّمو فيها، عندها يمكن للجامعة، بل يجب عليها، زيادة انخراطها في المجتمع. ففي هذه المرحلة الحاسمة من تكشّف الخطّة التي تقترب فيها مجموعات عديدة من مرحلة كهذه، يبدو من المناسب أن يفكّر الأحبّاء في كلّ مكان في طبيعة المساهمات التي ستقدّمها جامعاتهم النّامية النبّاضة لتقدُّم المجتمع ماديًّا وروحانيًّا. وبهذا الخصوص، سيكون مجديًا أن نفكّر في مجالين مترابطين من النّشاط يعزّز أحدهما الآخر: الانخراط في العمل الاجتماعيّ والمشاركة في الحوارات السّائدة في المجتمع.
فعلى مدار عقود من الزّمن، اكتسبت الجامعة البهائيّة خبرة واسعة في هذين المجالين من المساعي. ولا شكّ أن هناك عددًا كبيرًا من البهائيّين منخرطون كأفراد في العمل الاجتماعي وفي الحوارات العامة من خلال وظائفهم. كما أنّ عددًا من المنظّمات غير الحكوميّة، التي تعمل بهدي من تعاليم الأمر المبارك والعاملة على المستويين الإقليمي والوطني منهمكة في مجال التّنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة الرّامي إلى خير وصلاح شعوبها. والوكالات التّابعة للمحافل الرّوحانيّة المركزيّة تساهم بطرق متعدّدة في ترويج أفكار تفضي إلى ازدهار ورفاه العموم. وعلى الصّعيد الدّولي، تقوم وكالات من قبيل مكتب الجامعة البهائيّة العالميّة التّابع للأمم المتّحدة بعملٍ مشابه. وسوف يستفيد الأحبّاء الذين يعملون في مستوى القاعدة في الجامعة من هذه التّجربة والقدرة، بالقدر الضروري والمرغوب، في سعيهم للتّصدّي لشواغل المجتمع من حولهم.
أنسب تصوّر للعمل الاجتماعيّ هو تشبيهه بطيف يمكن أن يشتمل في مداه على جهود غير رسميّة إلى نوعٍ ما ومحدودة المدّة يقوم بها أفراد أو مجموعات صغيرة من الأحبّاء، إلى برامج تنمية اجتماعيّة واقتصاديّة على درجة عالية من التعقيد والتّطوّر تنفّذها منظّمات تعمل بهدي الدّين البهائي. وبغضّ النّظر عن نطاقه ومستواه، فإنّ العمل الاجتماعيّ برمّته يسعى إلى تطبيق تعاليم الأمر المبارك ومبادئه لتحسين بعض جوانب الحياة الاجتماعيّة أو الاقتصادية لسّكّان منطقة ما، ولكن على نحوٍ متواضع. إنّ مجهودات كهذه تتميّز إذن بهدفها المُعَلن الذي يرمي إلى ترويج الرّخاء الماديّ للسّكان بالإضافة إلى خيرهم الرّوحانيّ. أن تُحقّق المدنيّة العالميّة التي تلوح الآن في أفق البشريّة اتّساقًا ديناميكيًّا بين المتطلّبات الماديّة والرّوحانيّة للحياة لهو أمر أساسيّ في التّعاليم البهائيّة. فمن الواضح أنّ لهذا الهدف الأسمى تأثيرات هامّة على طبيعة أيّ نشاط اجتماعيّ يسعى إليه البهائيّون مهما كان مداه ونطاق تأثيره. ومع أنّ الظّروف والأوضاع ستتفاوت من قطر إلى آخر، وربّما من مجموعة جغرافيّة لأخرى، مما يتطلّب من الأحبّاء مساعٍ متنوّعة، إلاّ أنّ هناك مفاهيم أساسيّة معيّنة يجب أن يأخذها الجميع بعين الاعتبار. أحدها هو أنّ المعرفة تقع في مركز الوجود الاجتماعيّ. إنّ دوام الجهل لهو أبشع أشكال الظّلم؛ إنّه يقوّي الأسوار العديدة للتّعصّب التي تحول دون تحقيق وحدة الجنس البشري، هدف رسالة حضرة بهاءالله ومبدئها العمليّ على حدٍّ سواء. فالحصول على المعرفة هو حقّ لكلّ إنسان، والمشاركة في توليدها، وتطبيقها ونشرها هي مسؤولية يجب أن يضطلع بها الجميع، كلٌّ حسب مواهبه وقدراته، في المشروع العظيم لبناء مدنيّة عالميّة مزدهرة. والعدل يقتضي مشاركة عالميّة. وبالتّالي، وبينما قد يشتمل العمل الاجتماعيّ على توفير السّلع والخدمات بشكل من الأشكال، إلاّ أن اهتمامه الرّئيسيّ يجب أن ينصبّ على بناء القدرة لدى أهل المنطقة للمشاركة في إيجاد عالم أفضل. إنّ التّغيير الاجتماعي ليس مشروعًا تنفّذه مجموعة من النّاس لصالح مجموعة أخرى، فنطاق العمل الاجتماعيّ ودرجة تعقيده يجب أن تتناسبا مع الموارد البشريّة المتاحة في القرية أو الحيّ للمضيّ به قدُمًا. فالأفضل إذن أن تبدأ الجهود على مستوى بسيط متواضع وتنمو عضويًّا طبقًا لتطوّر قدرة السّكان. وبطبيعة الحال، فإنّ القدرة ترتقي إلى مستويات جديدة كلّما تعلّم أنصار التّغيير الاجتماعي كيف يطبّقون بكفاءة متنامية عناصر رسالة حضرة بهاءالله، جنبًا إلى جنب مع المحتويات والأساليب العلمية، على واقعهم الاجتماعي. وعليهم أن يجهدوا في قراءة هذا الواقع بطريقة تتّفق وتعاليم حضرته- حيث يرون إخوانهم البشر بمثابة أحجار كريمة ويدركون تأثير العمليّة المزدوجة من الهدم والبناء في القلوب والعقول، وفي الهياكل الاجتماعيّة أيضًا.
إنّ العمل الاجتماعيّ الفعّال يؤدّي إلى إثراء المشاركة في حوارات المجتمع، تمامًا كما بمقدور البصيرة المكتسبة من الانخراط في حوارات معيّنة أن تساعد على توضيح المفاهيم التي تشكّل العمل الاجتماعيّ. ففي مستوى المجموعة الجغرافيّة ، يمكن أن يتفاوت الانخراط في الحوار العامّ من عمل بسيط كتقديم أفكار بهائيّة في حديث يوميّ إلى فعاليّات أكثر عمقاً من قبيل إعداد مقالات وحضور اجتماعات مخصّصة لمواضيع ذات أهميّة اجتماعيّة مثل تغيّر المناخ والبيئة، والحُكم وحقوق الإنسان، على سبيل المثال لا الحصر. كما يستلزم بالإضافة إلى ذلك تفاعلات جادّة ذات مغزى مع المجموعات المدنيّة والمنظّمات المحليّة في القرى والأحياء.
في هذا الصّدد، نشعر بأنّنا مُلزَمون لأن نصدر هذا التّحذير: من الأهميّة بمكان أن يدرك الجميع أنّ أهميّة الانخراط في العمل الاجتماعيّ والحوارات العامّة لا تُقاس بمدى القدرة على ضمّ مؤمنين جدد، على الرّغم من أنّ المساعي في هذين المجالين من النّشاط قد تؤدّي إلى زيادة في حجم الجامعة البهائيّة، لأنّ القيام بهذه الجهود لم يكن لهذا الغرض. إنّ الالتزام بالصّدق بهذا الصّدد لهو أمرٌ حتميّ. وعلاوة على ذلك، ينبغي توخّي الحيطة والحذر لتجنّب المبالغة في إظهار الخبرة البهائيّة أو جلب انتباه لا لزوم له لجهود ناشئة من قبيل برنامج التّمكين الرّوحاني للشّباب النّاشئ، التي من المستحسن تركها لتنضج على وتيرتها الخاصّة. إنّ كلمة السّر في جميع الحالات هي التّواضع. وفي إظهار الحماس لمعتقداتهم، على الأحباء الحيلولة دون إبراز جوّ من التفوّق، غير المقبول حتّى فيما بينهم، ناهيك عن إبرازه في ظروف أخرى.
وفي وصفنا لتلك الفرص الجديدة المتاحة الآن على مستوى المجموعة الجغرافيّة، فإنّنا لا نطلب منكم تعديل مساركم الحاليّ بأيّ حال من الأحوال، ولا ينبغي التّصوّر بأن هذه الفرص تمثّل ميدانًا بديلاً للخدمة ينافس عمل التوسّع والاستحكام لموارد الجامعة وطاقاتها المحدودة. وفي غضون السّنة القادمة، يجب الاستمرار في تقوية عمليّة المعهد ونمط النّشاط الذي يولّده، ويجب أن يحتّل التّبليغ مركز الصّدارة في ذهن كلّ مؤمن. وعلاوة على ذلك، يجب أن لا نسعى إلى توسيع الانخراط في حياة المجتمع قبل الأوان. فهذا سوف ينشأ بصورة طبيعيّة مع مثابرة الأحبّاء في كلّ مجموعة جغرافيّة على تطبيق بنود الخطّة من خلال عمليّة العمل، والمراجعة والتّقييم، والمشورة والدّراسة، والتّعلّم كمحصّلة نهائيّة. إنّ الانخراط في حياة المجتمع سيزدهر كلّما ارتقت قدرة الجامعة تدريجيًّا على تعزيز نموّها والمحافظة على حيويّتها. ستحقّق الجامعة اتّساقًا في جهودها الرّامية إلى توسّعها واستحكامها بقدر اعتمادها على عناصر الإطار المفاهيمي الذي ينظّم سلسلة الخطط العالميّة الرّاهنة. وستُسهم الجامعة في حركة الجماهير لتحقيق رؤيا حضرة بهاءالله لمدنيّة عالميّة مزدهرة ومسالمة طبقًا للمدى الذي ستوظَّف فيه تلك العناصر بشكل خلاّق في مجالات جديدة من التّعلّم.
*
أيّها الأحبّاء الأعزّاء: كم من مرّة عبّر فيها مولانا المحبوب عن أمله بأن تطفح قلوب الأحبّاء بمحبّة بعضهم بعضًا بحيث لا يضعون فيما بينهم أيّة حدود فاصلة، بل يعتبرون جميع البشر أسرة واحدة فنَصحَنا بقوله "لا تروْا غريبًا، بل اعتبروا الجميع أصدقاء لكم لأنّه إذا نظرتم إلى الاختلاف، تصبح المحبّة والاتّحاد أمرًا صعبًّا". كلّ التّطوّرات التي تفحّصناها في الصّفحات السّابقة، في أعمق معانيها، ليست سوى تعبير عن محبّة شاملة للعموم تحقّقت بقوّة الرّوح القدس. أليست محبّة الله هي التي تحرق جميع حجبات الكدورة والفُرقة وتربط القلوب معًا بكمال الاتحاد والاتّفاق؟ أليست محبّته هي التي تدفعكم إلى ميدان الخدمة وتمكّنكم من أن تروْا في كلّ نفس قدرةً على عرفان الله وعبادته؟ ألم تُستنهض هممكم بمعرفة أنّ مظهر أمره قد حمل في حياته الشّدائد والبلايا بكلّ سرور من فرط حبّه للبشريّة؟ انظروا إلى صفوفكم، إلى إخوانكم وأخواتكم البهائيّين الأعزّاء في إيران. ألم يكونوا مثالاً يُحتذى للثّبات والاستقامة النّابعة من محبّة الله والرّغبة في خدمته؟ ألا تدلّ قدرتهم على السّموّ فوق أقسى أنواع الاضطهاد وأكثرها مرارة على قدرة الملايين تلو الملايين من أهل العالم المضطّهدين على النّهوض وأخذ دور حاسم في بناء ملكوت الله على الأرض؟ لا تدعوا الأنظمة الاجتماعيّة الباعثة على الخلاف والشّقاق تثنيكم، سارعوا بتقديم رسالة حضرة بهاءالله إلى النّفوس المنتظرة في كلّ حيّ في الحضر وفي كلّ قرية في الرّيف وفي كلّ بقعة من بقاع العالم، واجتذبوهم إلى جامعته، جامعة الاسم الأعظم. إنّكم لا تبارحون أفكارنا ودعاءنا، وسنواصل الابتهال إلى الله القويّ القدير سائلين أن يمدّكم بفيضه العظيم.
بيت العدل الأعظم
14
رسالة الرّضوان 2010 ص
في وضح نهار اليوم الحادي عشر من أ ّيام عيد ال ّرضوان المبارك قبل مئة عام مضى، وأمام جمهور مؤ ّلف من ع ّدة مئات، رفع حضرة عبد البهاء فأ ًسا عاد ّية وهوى بها على ا ألرض لتفلق العشب الذي افترش موقع المعبد في گروس پوينت، شمال مدينة شيكاغو. أ ّما المدع ّوون لحفر ا ألرض في مع ّية حضرته في ذلك اليوم ال ّربيع ّي فقد جاءوا من خلف ّيات ش ّتى – نرويج ّيون وهنود وفرنس ّيون ويابان ّيون وايران ّيون وس ّكان أمريكا ا ألصل ّيون، على سبيل المثال ل الحصر. لقد بدا مشرق ا ألذكار الذي لم يكن قد ُش ّيد بعد وكأ ّنه يح ّقق أمنيات المولى التي أعرب عنها عش ّية الحتفال حيال ك ّل صرح من هذا القبيل: "لكي تجد البشر ّية
مكا ًنا ل لتقاء" و"يرتفع نداء وحدة الجنس البشر ّي من رحاب ُقدسه".
ل ب ّد وأ ّن مستمعيه في تلك المناسبة، وك ّل الذين أصغوا لحضرته أثناء أسفاره الى مصر والغرب لم يلتقطوا سوى صورة باهتة من مضامين كلماته بعيدة المدى على المجتمع، وعلى ِق َي ِمه وشواغله. وهل يقدر أحد ح ّتى في يومنا هذا، أن ي ّدع َي أ ّنه لمح شيئًا سوى خيال، بعيد مش ّوش، لمجتمع المستقبل الذي ُق ّدر لظهور حضرة بهاء ا أن يبعثه؟ ليس ألحد أن يتص ّور أ ّن المدن ّية التي ُتساق البشر ّية نحوها بفعل ال ّتعاليم الله ّية ستأتي من مج ّرد اجراء تعدي ت على ال ّنظام الحال ّي. هذا بعيد ك ّل ال ُبعد عن ذلك. وفي خطبة ألقاها بعد بضعة أ ّيام من وضعه حجر ا ألساس أل ّم معابد الغرب، ص ّرح حضرة عبد البهاء أ ّن "من نتائج تج ّلي القوى ال ّروحان ّية هو أ ّن العالم النسان ّي سوف ُيك يف نفسه مع نظم اجتماع ّي جديد، وأ ّن العدل الله ّي سيتج ّلى في ك ّل ال ّشؤون النسان ّية". هذه، وكثير غيرها من بيانات المولى ا ّلتي تتو ّجه اليها الجامعة البهائ ّية مرا ًرا وتكرا ًرا في فترة ال ّذكرى المئو ّية هذه، توقظ الوعي بال ُبعد الذي يفصل بين المجتمع
بال ّترتيب الذي هو عليه الآن وبين ال ّرؤيا المذهلة التي وهبها والده الجليل للعالم.
ول أسف، فعلى ال ّرغم من الجهود الجديرة بال ّثناء التي يبذلها ا ألفراد من ذوي ال ّنوايا الحسنة العاملين في ك ّل أرض لتحسين ظروف المجتمع، ال أ ّن العوائق ا ّلتي تحول دون تحقيق مثل هذه ال ّرؤيا تبدو للكثيرين مستعصية. فآمالهم المبن ّية على افتراضات خاطئة حول ال ّطبيعة البشر ّية قد تغلغلت في هياكل
وتقاليد العديد من جوانب الحياة المعاصرة بحيث أضحت حقيق ًة واقعة. ويبدو أ ّن هذه الفتراضات ل تأخذفيالحسبانالمخزونالستثنائّيمنالّطاقاتالّروحانّيةالُمتاح ألّينفسمستنيرةُتريدأنتستمّد منه؛ وبد ًل من ذلك، فإ ّنها تستند في تبريراتها الى اخفاقات البشر ّية، وال ّشواهد على ذلك ُتع ّزز يوم يا شعو ًرا عا ما باليأس والقنوط. وهكذا فإ ّن حجا ًبا متع ّدد ال ّطبقات من افتراضات زائفة يطمس حقيق ًة أساس ّية هي: ا ّن حالة العالم تعكس صور ًة مش ّوه ًة لل ّروح البشر ّية، ل ُكن َه هذه ال ّروح وجوهرها. فمقصود ك ّل مظهر اله ّي هو احداث ال ّتغيير وال ّتبديل في أركان العالم ظاه ًرا وباط ًنا. وهذا ال ّتغيير وال ّتبديل يحدث بصورة طبيع ّية عندما تقوم مجموعة متنامية من ال ّناس، تو ّحدها ا ألوامر الله ّية، وتنشد جماع يا تنمية وتطوير قابل ّيات روحان ّية من أجل المساهمة في عمل ّية ال ّتغيير المجتمعي. وكم ْثل ال ّتربة اليابسة ا ّلتي ضرب المولى بفأسه عليها قبل قرن من ال ّزمان، فإ ّن ال ّنظريات ال ّسائدة في هذا العصر قد تبدو أل ّول وهلة عص ّية على ال ّتغيير،
لك ّنها سوف تت شى دون ش ّك، وبفضل "أمطار ربيع العناية الله ّية" ستنبت "أزهار العرفان" جميل ًة ر ّيان ًة.
نشكر ا على أ ّنكم، جامعة السم ا ألعظم، بق ّوة ونفوذ كلمته، قائمون على تنمية بيئات ُيمكن للعرفان فيها أن يتط ّور. وح ّتى أولئك الذين يتح ّملون عناء ال ّسجن في سبيل أمر ا ، فإ ّنهم يتيحون، بتضحياتهم واستقامتهم ال متناهية لِ "سنب ت العلم والحكمة" أن تتف ّتح في القلوب المتعاطفة. ففي ش ّتى بقاع ا ألرض تنهمك ال ّنفوس ال ّت ّواقة في بناء عالم جديد من خ ل تنفيذ بنود خ ّطة ال ّسنوات الخمس بأسلوب منهجي من ّظم، خ ّطة أحسنوا استيعاب معالمها بحيث نشعر بأن ل حاجة لمزيد من ال ّتعليق عليها هنا. نتض ّرع ونبتهل في عتبة رب كريم بأن تحيط تأييدات الم ا ألعلى ك ّل واحد منكم للمساهمة في تقّدمالخّطة.لناوطيدا ألمل،اّلذييكبربمشاهدةمابذلتممنجهودمتفانيةخ لالعامالمنصرم،بأن تقوموا بتكثيف تطبيقكم راسخ ا ألساس للمعرفة التي تكتسبونها بال ّتجربة. ليس الآن وقت ال ّتو ّقف والحجام؛ ف يزال الكثيرون عن بزوغ الفجر الجديد غافلون، فمن سواكم يقدر أن يب ّلغ ال ّرسالة الله ّية؟ "تا ،" ُيقسم حضرة بهاء ا مشي ًرا الى أمر ا ، "هذا مضمار المكاشفة والنقطاع وميدان المشاهدة
والرتفاعليجولفيها ّلفوارسالّرحمناّلذيننبذواالمكان."
ا ّن مشاهدة العالم البهائ ّي وهو يعمل لهو منظر مبهر ح قا. ففي حياة ك ّل فرد مؤمن يرغب، قبل ك ّل شيء، بدعوة الآخرين لل ّدخول في وصال مع خالقهم وتقديم خدمة للبشر ّية يمكن العثور على ع مات
ال ّتح ّول ال ّروحان ّي الذي أراده صاحب ال ّزمان لنفس ك ّل انسان. وفي ال ّروح ا ّلتي تح ّرك نشاطات أ ّي جامعة بهائّيةكّرستنفسهالتعزيزقدرةأفرادهاشيًباوشّباًناوقدرةأصدقائهاوالمتعاونينمعهالخدمةال ّصالحالعام يمكن مشاهدة دليل على كيف ّية نم ّو وتط ّور مجتمع يقوم على أساس ال ّتعاليم الله ّية. وفي تلك المجموعات الجغراف ّية المتق ّدمة حيث ال ّنشاطات ا ّلتي يو ّجهها اطار عمل الخ ّطة وفيرة ومتط ّلبات ضمان وجود ال ّتساق بين محاور العمل مل ّحة للغاية، فإ ّن الهياكل الدار ّية ال ّناشئة ُتبدي بصي ًصا، مهما كان خاف ًتا، يب ّين كيف أ ّن المؤ ّسسات ا ألمر ّية ستتو ّلى تدريج يا نطا ًقا أكثر شمول ّية لمسؤول ّياتها في تعزيز خير البشر ّية وص حها. من الواضح اذن أ ّن تنمية الفرد والجامعة والمؤ ّسسات تحمل وعو ًدا هائلة. ولكن عدا ذلك فإ ّننا ن حظ بفرح وابتهاج خا ّص كيف أ ّن الع قات التي تربط هؤلء ال ّث ثة ت ّتسم بمنتهى المو ّدة وال ّدعم
المتبادل.
وعلى ال ّنقيض من ذلك، فإ ّن الع قات القائمة بين نظيراتها من الجهات الفاعلة ال ّث ث ا ّلتي تعمل في العالم بوجه عام — المواطن والهيئة الجتماع ّية ومؤ ّسسات المجتمع — تعكس الخت ف الذي يسم المرحلة النتقال ّية المضطربة للبشر ّية. وبسبب عدم استعدادها للعمل كأعضا مترابطة في كيان عضوي واحد، فإ ّنها تخوض صرا ًعا على ال ّسلطة يثبت في ال ّنهاية عدم جدواه. كم هو مختلف ذلك المجتمع الذي ص ّوره حضرة عبد البهاء في ألواحه و ُخ َط ِبه التي ل ُتع ّد ول ُتحصى — حيث تتش ّكل ال ّتفاع ت اليوم ّية، كما الع قات بين ال ّدول، من خ ل الوعي بوحدة الجنس البشر ّي. فالع قات المش ّبعة بهذا الوعي يجري تع ّهدها حال يا من جانب البهائ ّيين وأصدقائهم في القرى وا ألحياء في جميع أنحاء العالم؛ ومنها نستش ّم روائح ال ّتبادل وال ّتعاون، وال ّتفاق والمح ّبة. ففي أجوا كهذه تخلو من ال ّدعاء، يبرز الى الوجود بديل واضح لل ّنزاع والجدال المألوف ال ّدائر في المجتمع. لذا يغدو جل يا بأ ّن الفرد ا ّلذي يرغب في ممارسة ال ّتعبير عن ال ّذات على نحو مسؤول ُيشارك بعناية في المشورة المك ّرسة من أجل ال ّصالح العام ويتر ّفع عن اغراء الصرار على ال ّرأي ال ّشخصي؛ ومؤ ّسسة بهائ ّية، تدرك الحاجة لعمل من ّسق مو ّجه لتحقيق غايات مجزية، ل تنشد ال ّسيطرة بل ال ّرعاية وال ّتشجيع؛ والجامعة ا ّلتي عليها أن تتو ّلى مسؤول ّية تط ّورها ُتدرك بأ ّن هناك رصي ًدا ل ُيق ّدر بثمن في الوحدة ال ّناتجة عن النخراط القلب ّي المخلص في الخطط التي تضعها المؤ ّسسات. وبفضل تأثير رسالة حضرة بهاء ا ُتو َهب الع قات بين هؤلء ال ّث ثة
دفئًاجديًداوحياًةجديدًة؛وفيمجملهاتش ّكلالّرحماّلذييحتضنبداخلهمدنّيةروحانّيةعالمّية،تحمل بصمة الوحي اللهي، لتنضج تدريج يا.
من المق ّدر لنور رسالة حضرة بهاء ا أن يضيء ك ّل ميادين المساعي النسان ّية؛ في كل منها يجب اعادة صياغة الع قات التي تحافظ على بقاء المجتمع؛ وفي كل منها، ينشد العالم نماذ َج ُتحتذى للكيف ّية التي ينبغي فيها للبشر أن يعاملوا بعضهم بع ًضا. وفي ضوء ال ّدور البارز الذي لعبته في توليد الهياج ا ّلذي تو ّرط فيه العديد من ال ّناس في الآونة ا ألخيرة، فإ ّننا نعرض عليكم أن تمعنوا ال ّنظر في الحياة القتصادية للبشر ّية، حيث ُيقا َبل ال ّظلم بال مبالة، و ُيعت َبر الكسب غير المتكافئ رم ًزا لل ّنجاح. عميقة ومتج ّذرة هي تلك المواقف وال ّسلوك ّيات ال ّضا ّرة بحيث يصعب أن نتخ ّيل كيف يمكن أل ّي شخص بمفرده أن يغ ّير المعايير ال ّسائدة التي تحكم الع قات في هذا المجال. وبال ّرغم من ذلك، هناك دون ش ّك ممارسات على البهائ ّي أن ينأى بنفسه عنها، مثل خيانة ا ألمانة في ال ّصفقات التي يجريها المرء أو الستغ ل القتصاد ّي ل آخرين. ا ّن ال ّتم ّسك بال ّنصائح الله ّية يقتضي بأن ل يكون هناك أ ّي تناقض بين ال ّسلوك القتصاد ّي للفرد وبين معتقداته كبهائ ّي. وعندما يقوم المرء بتطبيق مبادئ أمر ا المتع ّلقة بالعدل والنصاف هذه في حياته، يكون بمقدور نفس واحدة أن ترفع المعيار الى مستوى أعلى بكثير من الح ّد الوضيع الذي يقيس به العالم نفسه. ا ّن البشر ّية قد أرهقتها الحاجة الى نمط من الحياة تصبو اليه؛ نتط ّلع
اليكملتعملواعلىتعزيزورعايةجامعاتتبعثبمسلكهاا ألملفيالعالم.
لقد أشرنا في رسالتنا لرضوان عام 1002 الى أ ّنه في البلدان التي تتق ّدم فيها عمل ّية ال ّدخول في دين ا أفوا ًجا بشكل ج ّيد وعلى نحو كاف، وتكون ال ّظروف ال ّسائدة في الجامعات المركز ّية مواتية، فإ ّننا سنوافق على تأسيس مشارق أذكار على المستوى المركز ّي، وا ّلتي سيغدو بروزها الى ح ّيز الوجود أحد سمات العهد الخامس من عصر ال ّتكوين ألمر ا . نعلن الآن بفرح غامر بأ ّنه سيت ّم اع ء صرح مشرق ّي أذكار مركز ّيين في دولتين هما: جمهور ّية الكونغو ال ّديمقراط ّية وپاپوا غينيا الجديدة. ففي هذين البلدين، ت ّم اليفاء بشكل واضح بالمعايير التي وضعناها، وكانت استجابة شعبيهما ل مكان ّيات التي و ّلدتها سلسلة الخطط الحال ّية استجاب ًة رائع ًة. ومع النشاءات الجارية لبناء آخر المعابد القار ّية في سنتياغو، فإ ّن البدء في
مشاريع بناء مشارق أذكار مركز ّية يق ّدم دلي ً آخر ُيثلج ال ّصدر على تغلغل أمر ا في تربة المجتمع.
هناك خطوة أخرى ممكنة. فمشرق ا ألذكار، الذي وصفه حضرة عبد البهاء بأ ّنه "من أعظم المؤ ّسسات في العالم"، يزاوج بين جانبين أساس ّيين مت زمين من جوانب الحياة البهائ ّية هما: العبادة والخدمة. ا ّن ا ّتحاد هذين الجانبين َيظهر أي ًضا في ال ّتساق القائم بين معالم الخ ّطة المرتبطة ببناء المجتمع، وخصو ًصا انتشار روح تع ّبد ّية تجد تعبي ًرا لها في اجتماعات لل ّدعاء وعمل ّية تعليم ّية تبني القدرة من أجل خدمة البشر ّية. فالع قة المتبادلة بين العبادة والخدمة تتج ّلى على وجه الخصوص في تلك المجموعات الجغراف ّية في مختلف أنحاء العالم التي نمت فيها الجامعات المركز ّية حج ًما وازدادت حيو ّي ًة بشكل ملحوظ، وكان النخراط في العمل الجتماع ّي فيها جل يا واض ًحا. لقد ت ّم تعيين بعضها مواق َع لنشر ال ّتع ّلم من أجل تعزيز مقدرة ا ألح ّباء على ال ّتق ّدم ببرنامج ال ّشباب ال ّناشئ في المناطق المرتبطة بها. ا ّن المقدرة على استدامة هذا البرنامج، كما أشرنا مؤ ّخ ًرا، تدعم تط ّور الحلقات ال ّدراس ّية وصفوف ا ألطفال أي ًضا. وبال ّتالي، فإ ّن مواقع ال ّتع ّلم، ناهيك عن هدفها ال ّرئيسي، تع ّزز مخ ّطط ال ّتو ّسع والستحكام بأكمله. وضمن هذه المجموعات الجغراف ّية سيت ّم ال ّتفكير في انشاء مشارق أذكار محل ّية في ال ّسنوات المقبلة. بقلوب طافحة بال ّشكر والمتنان لجمال ال ِق َدم، يس ّرنا اع مكم بأ ّننا نجري مشاورات مع المحافل الروحان ّية المركز ّية المعن ّية بشأن تشييد أ ّول مشرق أذكار محل ّي في ك ّل من المجموعات الجغراف ّية ال ّتالية: باتامبانغ في كمبوديا، بيهار شريف في الهند، ماتوندا ُسو ْي في كينيا، ونورتي ديل كا ْوكا في كولومبيا؛ وتا ّنا في
ڤاناواتو.
ولدعم بناء مشرق ّي ا ألذكار المركز ّيين ومشارق ا ألذكار المح ّل ّية الخمسة، قررنا تأسيس "صندوق مشارق ا ألذكار" في المركز البهائ ّي العالم ّي لمنفعة جميع هذه المشاريع. ندعو ا ألح ّباء في ك ّل مكان لتقديم تب ّرعاتهم المقرونة بال ّتضحية لهذا ال ّصندوق، وحسب ما تسمح به امكاناتهم الما ّد ّية.
زم نا في العمل ا ألع ّزاء: ا ّن ا ألر َض التي ضربتها يد حضرة عبد البهاء قبل مائة عام مضى، يجب أن ُتض َرب ثاني ًة في سبعة بلدان أخرى، وما هذا ا ّل تمهيد لذلك اليوم الذي سيرتفع فيه في ك ّل مدينة وقرية، اطاعة ألمر حضرة بهاء ا ، بناء لعبادة ال ّرب الجليل. فمن "مشارق أذكار ا " هذه سيسط ُع
لم تمضِ سوى ثلاث سنوات منذ أن وضعنا أمام العالم البهائي تحدّيًا يدعوهم إلى استخدام إطار للعمل برزت معالمه بكلّ وضوح في ختام المشروع العالمي السّابق. فكانت الاستجابة فورية كما أمِلْنا ورجوْنا. وانطلق الأحباء بعزيمة ماضية في كلّ مكان لتحقيق هدف تأسيس برامج مكثّفة للنمو في ما لا يقلُّ عن (1500) مجموعة جغرافية (cluster) في أنحاء العالم. وسرعان ما أخذ عدد هذه البرامج في التّصاعد باستمرار، ولم يخطر على بال أحد آنذاك مدى ما لربِّ الجنود، بحكمته البالغة، من غايةٍ قصوى في تغيير جامعته في فترة قصيرة بهذه الكيفية. ويا لها من جامعة تأزّرت بالعزيمة والثّقة واحتفلت بإنجازاتها في منتصف مسيرتها في الخطّة العالميّة في أجواء واحدٍ وأربعين مؤتمرًا أقليميًّا عقدت في أنحاء العالم! ويا له من تناقض غير اعتيادي، ذلك الذي قدّمته هذه الجامعة من اتّساق وطاقات، لعالمٍ حائر مرتبك واقع في دوامة بحر متلاطم من الكوارث والأزمات! إنها بحقٍّ ملأُ الفائزين الذين أشار إليهم حضرة ولي أمر الله. فهي جامعة مدركة لما وُهبت من قدرات هائلة، وواعية لما قُدِّر لها من دور في إعادة بناء عالم محطّم. إنّها جامعة تتقدّم باطّراد، فمع تعرّضها لقمعٍ شديدٍ في أحد أطراف العالم، إلا أنّها تنهض ككيانٍ متّحد واثقة غير هيّابة ولا يقف دونها حائل، معزّزة قدراتها في سبيل تحقيق مشيئة حضرة بهاءالله بتحرير الجنس البشري من نير أعظم ظلم يعصف بكيانه. وفي ما يقارب الثّمانين ألفًا ممّن شاركوا في المؤتمرات المذكورة رأينا في مشهد التّاريخ طلوع نجم الفرد المؤمن المفعم بالثّقة التّامّة بنجاعة مناهج الخطّة وآليّاتها وتطويعها بكلّ مهارة لخدمة مآربه. فكلّ نفسٍ تَمُوج في هذا البحر الزّخّار تقف شاهداً على قُدرة أمر الله في تقليب النّفوس، وكلّ واحدٍ منهم حجّة دامغة على وعد حضرة بهاءالله بنصرة من يقوم على خدمته بكلّ تفانٍ وانقطاع. وكلّ فرد منهم يمثّل لمحةً عن ذلك النّوع الإنساني الذي فاض كيانه بالتّكريس والشّجاعة والتّقديس والتّنزيه المقدّر له أن يتطوّر عبر الأجيال القادمة تحت التّأثير المباشر لظهور حضرة بهاءالله. ففيهم رأينا طلائع علامات تحقّق أملنا الّذي أعربنا عنه في مستهل المشروع بأن يمتدّ تأثير نفوذ أمره القادر على تهذيب النفوس إلى قلوب مئات الألوف بفضل عملية المعهد. وكلّ الدلائل تشير إلى أن العالم البهائي سيتجاوز حاجز الألف في عدد برامجه المكثّفة للنموّ مع نهاية فترة الرضوان هذه. ولا يسعنا في مستهلّ أعظم الأعياد هذا سوى أن ننحني أمام المولى القدير بكلّ خضوع وخشوع شاكرين ممتنّين على بحبوحة كَرَمه وعطاياه التي أغدقها على جامعة الاسم الأعظم.
الأحبّاء الأع اّ زء، مرّت ثلاث سنوات كاملة منذ بدء المرحلة ال اّ رهنة من تكشّف الخطّة الإلهيّة، هذه المهمّة التّي تربط أتباع حضرة بهاء الله معًا في مسعى روحانيّ موحّد، وما هي إلا سنتان تفصلان أحبّاء الله عن نهايته المحدّدة. إنّ الحركتين الأساسيّتين اللّتين تواصلان دفع عمليّة النّمو — المدّ المستمرّ من المشاركين من خلال سلسلة دو ا رت المعهد التّدريبيّ، وحركة المجموعات الجغ ا رفيّة عبر سلسلة متّصلة من التّطوّر — قد تعزّزتا بشكلٍ كبيرٍ ج اّ رء تد فّق الط اقة المنبعثة في مؤتم ا رت الشّباب الّتي عُقدت خلال العام المنصرم. إنّ القدرة المت ا زيدة التي اكتسبها العالم البهائيّ لحشد أعدادٍ كبيرة من الشّباب في ميدان الخدمة بمقدورها الآن أن تؤتي مزيدًا من الثّمار. ذلك لأنّه في الوقت المتب قّى ل ا زم علينا الاضطلاع بمهمّ تين أساسيّتين على نحوٍ عاجل: تقوية ب ا رمج النّمو القائمة والشّروع بب ا رمج أخرى جديدة. إنّ جامعة الاسم الأعظم في وضعٍ يؤهّلها لأن تضيف، قبل انقضاء هذه الفترة، إلى المجموعات الجغ ا رفيّة التي تأسّست فيها ب ا رمج نموّ كهذه ألفَيْ مجموعةٍ جديدة تشكّل ما تبقّى من أجل إح ا رز الهدف المنشود.
كم يسعدنا أن نرى بأنّ هذا المسعى آخذٌ بالتّقدّم بسرعة وحيويّة في شتّى أقاصي المعمورة، رغم اختلاف الظّروف والأوضاع، في مجموعات جغ ا رفيّة بلغ عددها الآن ما يناهز الثّلاثة آلاف. فالعديد منها تقع في مرحلة يتولّد فيها الزّخم بتطبيق خطوط عملٍ بسيطة. وفي مجموعات أخرى، تعاقبت فيها دو ا رتٌ من النّشاط، يت ا زيد عدد الأف ا رد الّذين يشرعون بالمبادرة بالعمل ضمن إطار الخطّة وتزداد شدّة النّشاط؛ فمع تحسّن نوعيّة عمليّة التّربية الرّوحان ية بفضل الخبرة المكتسبة، تنجذب النّفوس للمشاركة فيها بسهولة أكثر. وقد تكون هناك من وقت لآخر فترة من الرّكود في النّشاط أو عقبة تعترض طريق التّقدّم؛ إلاّ أنّ المشورة الدّقيقة العميقة حول أسباب الجمود مقرونة بالصّبر والشّجاعة والمثابرة تمكّن من استعادة الزّخم. وفي العديد من المجموعات الجغ ا رفيّة، يتّسع برنامج النّموّ في نطاقه وتعقيده بما يتناسب مع القدرة المت ا زيدة لأنصار الخطّة الثّلاثة — الفرد، الجامعة، ومؤسّسات أمر الله —لإيجاد بيئة من الدّعم المتبادل. وممّا يدعونا إلى البهجة أنّ هناك، وكما كان متوقّعًا، عددًا متناميًا من المجموعات الجغ ا رفيّة يقوم فيها مائة فرد أو أكثر بتيسير انخ ا رط ألفٍ أو أكثر في حياكة نمطٍ من الحياة يتميّز بالرّوحانيّة والحيويّة والتّغيير. وبطبيعة الحال فإنّ هذه العمليّة، حتى منذ نشأتها، هي في الأساس حركة جماعيّة نحو تلك الرّؤيا من الازدهار المادّيّ والرّوحانيّ الّتي تصوّرها مُحيي العالمين. ولكن عندما تنخرط في العملية أعداد كبيرة كهذه، يصبح بالإمكان تمييز حركة السّكان بأجمعهم.
وهذه الحركة تظهر واضحة جليّة بشكل خاصّ في تلك المجموعات الجغ ا رفيّة الّتي سيشيّد فيها مشرق أذكار محلّي. إحداها، على سبيل المثال، في ڤانواتو. فقد بذل الأحبّاء المقيمون في جزيرة تانّا جهدًا فائقًا لرفع الوعي حول
مشرق الأذكار المزمع تشييده، وأشركوا فعلاً ما لا يقل عن ثلث سكان الجزيرة البالغ عددهم 01.111 نسمة وبطرق مختلفة في حديث موسّع حول أهميّة هذا الصّرح ومغ ا زه. إنّ القدرة على استدامة حديث ا رقٍ يجري بين عدد كبير من النّاس قد صُقلت على مدى سنوات من الخبرة في نشر تعاليم حضرة بهاء الله وتوسيع نطاق معهد تدريبيّ نابض بالحياة. كما أنّ مجموعات الشّباب النّاشئ في الجزيرة تزدهر بوجه خاصّ، مدفوعةً بدعم زعماء القرية الّذين يشهدون بأمّ أعينهم كيف يتمّ تمكين المشاركين في تلك المجموعات روحانيًّا. ومستمدّين الشّجاعة من الوحدة والتّكريس القائم بينهم، لم ينفض هؤلاء النّاشئة عن كواهلهم غبار التّكاسل اوللامبالاة فحسب، بل وجدوا، من خلال مشاريع عمليّة مختلفة، وسيلة للعمل من أجل إصلاح جامعتهم المحليّة، ونتيجة لذلك، هبّ النّاس من جميع الأعمار للقيام بعمل بنّاء، وبوجه الخصوص آباء وأمهات هؤلاء النّاشئة. كذلك تعرّف البهائيّون والمجتمع الأوسع من حولهم على نعمة إمكانيّة اللّجوء إلى المحفل الرّوحاني المحلّي طلبًا للهداية والتّ وجيه ولإيجاد حلّ للمواقف الصّعبة. وبدورها، أصبحت ق ا ر ا رت المحافل الرّوحان ية تتّسم بالمزيد من الحكمة والدّقّة في التّقدير. هناك علامات كثيرة تشير إلى أنّه عندما يتمّ ربط عناصر إطار عمل الخطّة في وحدة كاملة متّسقة، فإنّ التّأثير على السكّان يكون عميقًا. وفي سياق عمليّة التّوسّع والاستحكام المستمرّة — وذلك عقب انتهاء دورة النّشاط الثلاثين لبرنامج النّمو المكثّف — أخذ الأحبّاء، مع بقيّة سكّان الجزيرة، يسبرون بشكلٍ فاعلٍ مغزى بناء مشرق الأذكار وارتفاع مركز من أجل "تآلف القلوب واجتماع النّفوس"، بين ظه ا رنيهم. وبدعمٍ فاعلٍ من زعماء القبائل، قدّم سكان جزيرة تانّا ما لا يقل عن مائة فكرة لتصميم المعبد، مُظهرين المدى الّذي استحوذ فيه مشرق الأذكار على خيالهم، وكاشفين عن آفاق آسرة للتّأثير الّذي سيمارسه على حياة الّذين سيعيشون في ظلّه الظّليل. إنّ لهذا الوصف المُثلج للصّدر نظي اً ر في العديد من المجموعات الجغ ا رفيّة المتقدّمة حيث يترك تطبيق تعاليم حضرة بهاء الله أث اً ر في شؤون الحياة في الأحياء والقرى. وفي كلّ منها، يتعلّم الشّعب ا لّذي تزداد معرفته بشخص حضرة بهاءالله، من خلال م ا رجعة وتقييم التّجربة، والمشورة، والدّ ا رسة، كيفيّة العمل بمقتضى الحقائق المودعة في ظهوره، حتّى تتوثّق عُرى الأخوّة الرّوحانيّة الآخذة في الاتّساع بأواصر قويّة من العبادة والخدمة الجماعيّتين. وبشكلٍ أو بآخر تسلك الجامعات الأكثر تقدّمًا طريقًا يشجّع الآخرين على انتهاجه. إلاّ أنّه، مهما كان مستوى النّشاط في المجموعة الجغ ا رفيّة، فإنّ قدرة الأحبّاء المحليّين على التّعلّم ضمن إطار العمل المشترك هي التي تُعزّز التّقدّم على طريق النّمو. ولكلّ نصيبه من هذا المشروع، ومساهمة كل فرد تثري الكلّ . وأكثر المجموعات الجغ ا رفيّة حيويّةً هي تلك التي، وبغضّ النّظر عن الموارد التي تملكها أو عدد النّشاطات القائمة ضمنها، يُدرك الأحبّاء فيها أنّ واجبهم يتمثّل في تحديد ما هو المطلوب لتحقيق التّقدّم — القدرة الوليدة التي ينبغي رعايتها، المهارة الجديدة التي يجب اكتسابها، المبادرون بجهود ناشئة الذين يتوجّب م ا رفقتهم، فضاء الم ا رجعة والتّقييم الذي ينبغي تعهّده، المساعي الجماعيّة التي تتوجّب تنسيقها — ومن ثمّ إيجاد طرقّ خلاّقة يمكن بواسطتها توفير الوقت والموارد اللازمة لتحقيق ذلك. والحقيقة المتمثّلة بأنّ كلّ مجموعة من الأوضاع لها تحدّياتها الخاصّة بها تمكّن كلّ جامعة
محليّة ليس من مجرّد الاستفادة من التّعلّم الجاري في سائر أرجاء العالم البهائيّ فحسب، بل واث ا رء تلك المجموعة من المعارف أيضًا. إنّ إد ا رك هذه الحقيقة يحرّر الفرد من البحث العقيم عن صيغة جامدة للعمل، وفي نفس الوقت يتيح للبصائر المستقاة من أوضاع وبيئات مختلفة أن تضفي مزيدًا من النّور على عمليّة النّمو وهي تتّخذ شكلاً خاصًّا في محيطٍ بعينه. وهذه المقاربة بأسرها هي على النّقيض تمامًا من المفاهيم الضّيّقة لمعنى "النّجاح" و"الفشل" التي تولّد العشوائيّة والارتباك أو تشلُّ الإ ا ردة. اولانقطاع مطلبٌ ضروريّ ، إذ عندما تُبذل الجهود خالصًا لوجه الله، فإنّ كلّ ما يحدث يكون ملكً ا له، وكلّ نصر يُحرز باسمه هو مناسبة باعثة على حمده وثنائه. هناك الكثير من البيانات في آثارنا المباركة تصف العلاقة بين الجهد المبذول والتّأييد الإلهي الذي يوهب نتيجةً لذلك. يؤكّد حضرة عبد البهاء في أحد مكاتيبه "إذا بذلتم الهمّة، فيقينًا سوف تسطع هذه الأنوار ويمطر سحاب الرحمة ويهبّ النّسيم المنعش للأرواح وتنتشر ا رئحة طيب المسك في الأرجاء." واننا في زيا ا رتنا المتكرّرة للعتبات المقدّسة، نتضرّع بح ا ررة إلى الله القويّ القدير بالنّيابة عنكم عسى أن يثبّتكم ويقوّيكم، وأن تفوز مساعيكم للتّواصل مع الذين لم يطّلعوا بعد على التّعاليم الإلهيّة وترسيخهم في أمره المبارك بوفير البركات، وأن يكون توكّلكم على عناياته اللامتناهية ثابتًا لا يتزعزع. أنتم حاضرون دومًا في خاطرنا ولا ننساكم في دعواتنا، ولن نتوقّف أبدًا عن تذكّر أعمالكم المكرّسة المخلصة. وعندما نتأمّل الواجبات الماثلة أمام أتباع الجمال المبارك خلال العامين القادمين، فإنّ نداء المولى المؤكّد للدّعوة للعمل هو حافز للرّوح: "شقّوا السّبحات، اخرقوا الحجبات، امنحوا سلسبيل الحياة، ودلّوا على طريق النّجاة."
مع حلول سلطان الأعياد، تنقضي فترة الإعداد للخطّة العالميّة المُقبلة. والآن نناشد أحباء الله لتعهّدٍ جديدٍ مدّته خمسة أعوامٍ من الشّجاعة والعزيمة والموارد.
إنّ معشر المؤمنين بحضرة بهاء الله يقفون على أهبة الاستعداد. الاجتماعات المؤسّساتيّة التي انعقدت في جميع أنحاء العالم في الأشهر الأخيرة الماضية بعثت إشاراتٍ متتابعةً من الحماس والشّوق للبدء بهذا المشروع العظيم. ومقتضيات الرّسالة الموجهة إلى مؤتمر المشاورين يجري العمل الآن على ترجمتها إلى خططِ عملٍ حاسمة. إنّ المساعي البطوليّة على مدار عقود من الزّمان عملت على تشكيل الجامعة، وأكسبتها درجةً من المقدرة المُثبَتة على رعاية النّموّ ممّا زادتها قوّةً وصلابةً استعدادًا لهذه اللّحظة. وعلى وجه الخصوص، فإنّ العقدين الأخيرين سارعا بشكلٍ ملحوظ في رفع هذه الكفاءة التي طال انتظارها.
إنّ اعتماد إطار عملٍ متطّورٍ خلال هذه الفترة قد مكّن الأحبّاء تدريجيًّا من رعاية وصقل قدراتٍ أساسيّة، أسفرت عن أعمال خدمةٍ بسيطةٍ في البداية لتفضي إلى أنماط عملٍ أكثر تفصيلًا، تطلّبت بدورها تنمية قدرات أكثر تعقيدًا. وبهذه الطّريقة، بدأت عمليّة منهجيّة لتنمية الموارد البشريّة وبناء الجامعة في الآلاف من المجموعات الجغرافيّة لتصل في العديد منها إلى مراحل متقدّمة. لم يَجْرِ التّركيز على الفرد المؤمن، أو الجامعة، أو مؤسّسسات أمر الله فحسب؛ بل إنّ القوى الرّوحانيّة التي انطلقت جرّاء تكشّف الخطّة الإلهيّة تقوم على تحفيز ثلاثتهم معًا، المشاركين في نشوء النّظم العالميّ الجديد. إنّ علامات تقدّمهم تتجلّى بصورةٍ أكثر وضوحًا: في الثّقة التي اكتسبتها أعداد لا حصر لها من المؤمنين على سرد سيرة حياة حضرة بهاء الله والتّباحث في مضامين رسالته الإلهيّة وعهده وميثاقه الذي لا نظير له؛ وفي الجموع المتنامية من النّفوس التي انجذبت إلى أمر الله نتيجة لذلك، وتُسهم في تحقيق رؤيته العالميّة الموحِّدة؛ وفي مقدرة البهائيّين وأصدقائهم، في مستوى القاعدة الشّعبية من المجتمع، على وصف تجربتهم حيال عمليّةٍ قادرةٍ على تقليب الطّباع وتشكيل الوجود الاجتماعي بعباراتٍ في غاية الفصاحة والبلاغة؛ وفي الأعداد الهائلة من سكان البلاد الأصلييّن الذين يتولّون الآن، بوصفهم أعضاء في المؤسّسات والوكالات البهائيّة، تسيير دفّة شؤون جامعاتهم؛ وفي التّبرّعات المُعوَّل عليها للصّناديق الأمريّة، المتّسمة بالسّخاء والمقرونة بالتّضحية، لما لها من بالغ الأهمّيّة لتقدّم أمر الله المطّرد؛ وفي ازدهار غير مسبوق للمبادرة الفرديّة والعمل الجماعي لدعم نشاطات بناء الجامعة؛ وفي حماس أعداد غفيرةٍ من النّفوس المتفانية في ريعان شبابها فأضفوا على هذا العمل قوّةً هائلة، لا سيّما في اهتمامهم بالتّربيّة الرّوحانيّة للأجيال الأصغر سنًّا؛ وفي تعزيز السّمة التّعبديّة للجامعة بعقد اجتماعات منتظمة للدّعاء والعبادة؛ وفي ارتقاء قدرات الإدارة البهائيّة في جميع مستوياتها؛ وفي استعداد المؤسّسات والوكالات والأفراد على التّفكير على أساس "العمليّة"، بقراءة واقعهم الحالي وتقييم مواردهم في الأماكن التي يعيشون فيها، ووضع الخطط على هذا الأساس؛ وفي ديناميكيّة الدّراسة، والمشورة، والعمل، والمراجعة والتّقييم التي غدت مألوفة الآن ونمّت موقفًا تعلُّميًّا فطريًّا؛ وفي التّقدير المتعاظم لمعنى وضع تعاليم أمر الله موضع التّنفيذ من خلال العمل الاجتماعي؛ وفي العديد من الفرص التي يتمّ البحث عنها واغتنامها لتقديم وجهة النّظر البهائيّة في الحوارات السّائدة في المجتمع؛ وفي وعي جامعةٍ عالميّةٍ بأنّ جميع مساعيها إنّما تعجّل بظهور مدنيّة إلهيّة من خلال إظهار قوّة بناء المجتمع المتأصّلة في أمر الله؛ وأخيرًا، في وعي الأحبّاء المتزايد بأنّ جهودهم الرّامية إلى رعاية التّحوّل والتّغيير الباطني، وتوسيع دائرة الوحدة والاتّحاد، والتّعاون مع الآخرين في ميدان الخدمة، ومساعدة السّكان في تولّي مسؤوليّة تطوّرهم الرّوحاني، والاجتماعي، والاقتصادي— ومن خلال كافة هذه الجهود الرّامية إلى تحقيق إصلاح العالم— يتجلّى الهدف الحقيقي للدّين نفسه.
بينما ليس هناك أيّ معيار منفردٍ يمكن من خلاله قياس تقدّم الجامعة البهائيّة بشتّى جوانبه، ولكن يمكن استنتاج الشّيء الكثير من أعداد المجموعات الجغرافيّة التي تأسّست فيها برامج النّموّ في أنحاء العالم، والتي نؤكّد أنّها بفضل عنايات الجمال الأبهى قد فاقت 5000 مجموعة. لقد كانت هذه القاعدة العريضة متطلّبًا أساسيًّا للاضطلاع بالمهمّة الماثلة الآن أمام العالم البهائيّ، ألا وهي، تقويّة عمليّة النّمو في كلّ مجموعة جغرافيّة بدأ العمل فيها وتوسيع نطاقِ نمطٍ يُثري حياة الجامعة. إنّ الجهود المُستدامة المطلوبة ستكون مُضنية، ولكنّ حصيلتها المُرتقبة ذات أهمّيّة بالغة، بل حتّى فاتحة لعهدٍ جديد. فالخطوات الصّغيرة، إنّ كانت منتظمةً وسريعة، تطوي في مجموعها مسافات شاسعة. إنّ التّركيز على التّقدّم الذي يجب إحرازه في المجموعة الجغرافيّة خلال الفترة الأوليّة— مثلًا، خلال الدورات السّت التي تسبق الاحتفال بالذّكرى المئويّة الثّانية لمولد الجمال المبارك— سيساعد الأحبّاء ويسهّل تحقيق أهدافهم لفترة السنوات الخمس بأكملها، ففي كلّ دورة نشاط تكمن فرصٌ سريعة الزّوال للتّقدّم بخطوات واسعة إلى الأمام، وإمكاناتٌ نفيسةٌ لن تتكرّر.
في المجتمع ككلّ، ويا للأسف، تستشري أعراض اعتلال الرّوح وتزداد تفاقُمًا وسوءًا. كم هو مذهلٌ أنّه في الوقت الذي تعاني فيه شعوب العالم من حاجتها إلى العلاج الحقيقيّ، وتتقلّب بين إقبالٍ وإدبار من أملٍ زائفٍ إلى آخر، فإنّكم عاكفون بكلّ هدوء ورباطة جأش على صقل أداةٍ تصلُ القلوبَ بكلمة الله الأزليّة. وكم هو مذهلٌ أيضًا، أنّكم في خضمّ تنافر الآراء المتصلّبة والمصالح المُتضاربة التي تزداد ضراوةً في كلّ مكان، عاكفون على جذب النّاس وجمعهم معًا من أجل بناء جامعاتٍ تُعَدُّ ملاذاتِ وحدةٍ واتّحاد. وبعيدًا كلّ البُعد عن اليأس والإحباط، فليكن في تعصّبات العالم وعداءاته تذكِرةً لكم بأنّ النّفوس من حولكم بأمسِّ الحاجة إلى البلسم الشّافي الذي بإمكانكم، أنتم وحدكم، تقديمه لهم.
هذه الخطّة هي الأخيرة من سلسلة خططٍ خمسيّةٍ متعاقبة. وباختتامها تُفتتح مرحلةٌ جديدةٌ من مراحل تطوّر الخطّة الإلهيّة التي ستسوق جامعة الاسم الأعظم نحو القرن الثّالث من الدّور البهائيّ. عسى أن يقدّر أحبّاء الله في كلّ البلدان الوعود التي تحملها هذه الأعوام القليلة القادمة التي سيعدّون العُدّة خلالها لمهام مقبلةٍ أكثر جسامةً. إنّ الخطّة الحاليّة بمجالها الواسع تمكّن كلّ فردٍ من دعم هذا العمل، مهما كان سهمُه متواضعًا. أحبّاءَنا الأعزّاء عشّاقَ محبوبِ العالمين، نناشدُكم ألاّ تألوا جَهدًا في استخدام كلّ ما تعلّمتموه وكلّ ما حباكم الله به من قدراتٍ ومهارات في دفع عجلة الخطّة الإلهيّة قُدُمًا نحو مرحلتها الأساسيّة التّالية. فإلى دعواتكم التي ترفعونها بكلّ تضرّع وابتهال ملتمسين المدد من الرّبِّ المُتعال نضمُّ دعواتنا، نرفعُها في المقامات المقدّسة نيابةً عن كلّ من يجاهد في سبيل أمره المهيمن على العالمين.
انظروا إلى جامعة الاسم الأعظم كيف نهضت! إنّه لم يمضِ سوى عامفقط على انطلاق الخطّة الجديدة والتّقارير تشهد على ضخامة حجم المساعي الجارية وما أخذ يتحقّق منها بالفعل. إنّ الوصول بخمسة آلاف برنامج نموٍّ إلى درجاتٍ أكثر تكثيفًا يتطلّب مستوًى من الجهد غير مسبوقٍ تمامًا. وبإدراكٍ راسخٍ لأساسيّات الخطّة تضطلع أعدادٌ كبيرةٌ من الأحبّاء بتلبية متطلّباتها، معبّرةً بذلك عن بالغ العزيمة والتّضحية في نوعيّة استجابتها. وكما كان متوخّيًا، فإنّ بعض برامج النّمو المكثّفةوالمستدامة لأمدٍ طويل قد غدت مستودعاتٍ للمعرفة والموارد، فهي تقدّم الدّعم للمناطق المحيطة بها،وتسهّل الانتشار السّريع للخبرة والبصيرة. كما أنّ مراكز النّشاط المكثّف—تلك الأحياء والقرى الأكثر تركيزًا في عمل بناء الجامعة—أخذت تثبت أنّها أرضٌخصبةٌ للتّحوّل والتّبدّل الجماعي. هنالك حشدٌ موسّعٌ ونشطٌ من أعضاء هيئة المعاونين ومساعديهم يقومون بتحفيز مساعي المؤمنين ومساعدتهم على اكتساب الرّؤية في الدّفع بعمليّة النّمو قُدُمًا في مختلف الظّروف، وبتحديد النُّهُج والمقاربات التي تتناسب مع الأوضاع في كلّ مجموعةٍ جغرافيّة. إنّ المجالس الإقليميّة البهائيّة وبدعمٍ من محافلها الرّوحانيّة المركزيّة، تتعلّم كيفيّة منح الزّخم للخطّة عبر طيفٍ من المجموعات الجغرافيّة في آنٍ واحد، في حين أنّ كياناتٍ جديدةً على المستوى المركزيّتبدأالعملذاته في بعض البلدان الصّغيرة التي لا توجد فيها مجالس إقليميّة. على الرّغم من أنّ التّقدّم السّريع الذّي شهدته بعض الأماكن لم يظهر بعد في أماكن أخرى، كما هو متوقعٌ من أيّة عمليّةٍ عضويّة، فإنّ العدد الإجماليّ لبرامج النّمو المكثّفة في العالم بدأ يتزايد بالفعل. وعلاوة على ذلك، يسرّنا أن نرى أنّ المشاركة في أنشطة الخطّة قد شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال دوراتها الأربع الأولى.
إذَنْ، هل من علائمَ واعدة ومبشّرة لما سيحمله لنا العام المقبل أكثر من هذا؟ وأيّ شيء أجدر بأن يُقدّم فداءً للجمال المبارك، في الذّكرى المئويّة الثّانية لمولده المجيد، من مساعي محبّيه الحثيثة في سبيل بسط وتوسعة نطاق دينه المُبين؟ ومن ثمّ فإنّ احتفال العالم البهائيّ بأولى المئويّتين؛ لهو مناسبةٌذات أبعادٍ وإمكانياتٍ غاية في الحيويّة والإثارة. فمن منظورٍ صائب، تقدّم هذه السّنة، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، أعظم فرصة عالميّة فريدة لوصل الأفئدة والقلوب بحضرة بهاءالله. لنكن جميعًا مدركين لهذه الفرصة الثّمينة في الشّهور المُقبلة، وواعين ومنتبهين للإمكانيّات المتوفّرة في كلّ فضاء للتّعريف بحياة حضرته ورسالته السّامية. ومن أجل اغتنام فرصة التّبليغ المتاحة الآن أمام العالم البهائي، إلى أقصى مداها، ينبغي التّفكير بخلّاقيّة وإبداع في المحادثات التي من شأنها أن تُجرى مع كلّ شخص من أيّ طيفٍ ومشرب كان. في سياق هذه المحادثات ذات الهدف والمغزى، يتسامى الوعي والإدراك، وتنشرح الصّدور وتُفتَح القلوب—على الفور أحيانًا. وفي هذه المهمّة الجليلة يجد الجميع ما يشغلهم، وينبغي ألاّ يحرم أحدٌنفسه مناللّذة الرّوحانيّةالنّابعة من الانخراط في هذا العمل الجليل.إنّنا نتضرّع إلى المحبوب الأبهىراجين أن تزخر سنة الذّكرى المئويّة الثّانية هذه بتلكم البهجة التي هي الأنقى والأحلى: ألا وهي إبلاغ نفسٍ أخرى ببزوغ فجر يوم الله.
إنّ ما يتوجّب على معشر المؤمنين الأوفياء من التزامات بات أكثر إلحاحًا جرّاء ما يغشى العالم من ارتباكٍ وانعدام ثقةٍ وغيومٍ مكفهرّة. على الأحبّاء، في واقع الامر، اغتنام كلّ فرصة ليُشعّوا نورًا يضيء الطّريق، ويمنحوا طمأنينةً للملهوفين، ويَهَبوا أملًا لليائسين. لنستذكر نصيحةً أسداها حضرة وليّ أمر الله لإحدى الجامعات البهائيّة بكلماتٍ يبدو وكأنّها تخصّ زماننا الحاضر: "وبينما نسيج مجتمع اليوم تُنْسَلُ خيوطه وتتقطّع تحت وطأة أحداثٍ وكوارث هائلة، وبينما التّصدّعات والانشقاقات التي تكشف عن انقسام دولة عن دولة، وطبقة عن طبقة، وعرق عن عرق، وعقيدة عن عقيدة تتضاعف، ينبغي للعاملين على تنفيذ الخطّة الإلهية أن يُبدوا تماسكًاوتلاحمًا أكبر في حياتهم الرّوحيّة وأنشطتهم الإداريّة، ويُظهروا مستوًى أعلى من الجهد المتضافر والمساعدة المشتركة، والتّنمية المتناغمة في مشاريعهم الجماعية." ومع التّأكيد الدّائم على المغزى الرّوحاني لخدمة أمرالله وجلال عمله، والعزم الرّاسخ الوطيد الّذي ينبغي أن يتحلّى به المؤمنون في أداء واجباتهم المقدّسة، فإنّ حضرة شوقي أفندي يحذّر كذلك من مغبّة أيّة مساهمةٍ في الخلافات والورطات والمشاحنات السّياسيّةبقوله: "فليترفّعوا فوق جميع المصالح الاقليميّة والحزبيّة"، وفي مناسبة أخرى حثّهم على "تجاوز الخلافات العقيمة والاعتبارات الواهية والأهواء الفانية التيمنشأنهاأنتثير وتهيّجسَحنةعالممتغيّروتشغلاهتمامه." إنها الزّبد والرّذاذ الذي يذهب جُفاءً مع توالي الأمواج المُتلاطمة التي تدكّ أركان مجتمعٍ عنيفٍ منقسمٍ على نفسه، موجةً إثر موجة. إنّها لمخاطرةٌ كبرى الانهماك بملهياتٍ من هذا القبيل. وكما يعلم كلّ فردٍ من أتباع حضرة بهاء الله جيّدًا، فإنّ خير وصلاح البشريّة في المآل يعتمد على التّخطّي فوق اختلافاتها، والتّأسيس الرّاسخ لدعائم وحدتها. إنّ كلّ مساهمةٍ يقدّمها البهائيّون لحياة مجتمعهم إنّما تهدف إلى تعزيز ورعاية الوحدة والاتّحاد؛ وكلّ مسعى في بناء الجامعة موجّهٌ نحو الهدف نفسه. فإلى أولئك الذين أرهقهم التّنافر والخصام، تقدّم الجامعات التي تنمو وتترعرع تحت ظلّ الاسم الأعظم مثالًا قويًّا لما يمكن للوحدة أن تنجزه وتحقّقه.
إنّنا نرفع آيات الحمد والثّناء لربّ الأرباب إذ نرى الكثير من أحبائه يكرّسون أنفسهم، بشتّى الطّرق، لرفع راية وحدة العالم الإنسانيّ عاليةً خفّاقة. فيا أعزّ الأحباب: الآن ونحن على أعتاب سنةٍ مشحونةٍ باليُمن والبركات، ألا يجدر بكلّ واحدٍ منّا أن يفكّر مليًّا فيما يمكننا القيام به من أعمالٍ جليلةٍ و خدماتٍ ملكوتيّة بفضلٍ وعنايةٍ من الغنيِّ المُتعال؟
نحيّيكم في غداة تلكم الأحداث الخالدة للذّكرى المئويّة الثّانية لمولد جمال القدم بوهجها الأبديّ الذي لا يُطفى. وإذ نمعن النّظر فيما حدث حينئذٍ ومنذ ذلك الحين، نرى أنّ الجامعة البهائيّة حول العالم اليوم ليست هي نفسها التي بدأت الدّورات السِّتّ الأولى من الخطّة الحاليّة. إنّها الآن أكثر وعيًا برسالتها من أيّ وقتٍ مضى؛ لقد شهدت طفرةً غير مسبوقةٍ في قدرتها على جلب الأصدقاء والمعارف نحو التّفاعل مع حياة الجامعة؛ وعلى إلهامِ أَحياءٍ وقرًى للعمل ضمن مسعًى موحّد؛ وعلى توضيح كيف أنّ الحقائق الرّوحانية يمكن ترجمتها إلى ممارسة عمليّة مُستدامة؛ وفوق ذلك كلّه قدرتها على الحديث، ليس عن التّعاليم التي سوف تبني العالم من جديدٍ فحسب بل عن ذلك النّيّر الأعظم الذي جاء بها: حضرة بهاء الله. قصصٌ وحكاياتٌ عن حياته ومعاناته سردتها ألسنةُ الآلاف من الكبار والشّباب والأطفال فمسّت شغاف قلوبٍ لا تُحصى؛ البعض أبدى استعداده للمزيد من التّحرّي عن أمره المبارك، آخرون تعهّدوا بالمعاضدة، وكثير من النّفوس المتقبّلة ارتقت إلى الجهر بالإيمان.
إنّ أحد المؤشّرات الدّالّة على التّقدّم هو خروج الأمر من المجهوليّة بشكلٍ واضحٍ على مستوى الأوطان في العديد من الأماكن. هناك مِن زعماء الحكومات وقادة الفكر مَن صرّحوا علنًا —وفي بعض الاحيان أكّدوا على انفراد— أنّ العالم بحاجةٍ إلى رؤية حضرة بهاء الله وأنّ مساعي البهائيّين تحظى بالإعجاب ويجب توسيع نطاق انتشارها. لقد أبهجنا أنّه لم يكن البهائيّون هم الوحيدون الذين تاقوا إلى تجليل وتكريم حضرة بهاء الله والاحتفال بحياته؛ فقد عُقدت اجتماعاتٌ خاصّة بهذه المناسبة استضافها أفرادٌ من خارج الجامعة البهائيّة. أمّا في المناطق التي تشهد عداءً للأمر المبارك فلم تثبط همّة الأحبّاء؛ بل أظهروا قدرةً رائعةً على التّكيّف والصّمود؛ وشجّعوا أبناء وطنهم على تحرّي الحقيقة بأنفسهم، فكانت النّتيجة أن شارك العديد منهم في الاحتفالات مبتهجين. كما أدّت الذّكرى المئويّة الثّانية إلى ازدهارٍ بدا وكأنّه بلا حدود لتعابير فنيّة خلّاقة؛ كشهادةٍ رائعةٍ على مَعين الحبّ الذي تدفّقت منه. إنّ طبيعة المقاربة التي انتهجتها الجامعة البهائيّة للاحتفاء بهذه المناسبة جاءت بأكملها تأكيدًا لمدى ما تمّ تعلّمه طيلة أكثر من عقدين من الزّمن منذ تدشين سلسلة الخطط العالميّة الحاليّة؛ فالفرد المؤمن اتّخذ المبادرة، والجامعة نهضت وتألّقت في مجهودٍ جماعيّ، والأحباء وجّهوا طاقاتهم الإبداعيّة نحو الخطط التي أعدّتها المؤسّسات. ذكرى جليلة بمناسبة مرور قرنين من الزّمان، قدّمت حافزًا قويًّا لعمل بناء الجامعات لقرنٍ آتٍ. في الفترة التي تقود بنا نحو ذكرى المئويّة الثّانية لمولد حضرة الباب، كم جديرٌ بكلّ بذرةٍ زُرعت بكلّ هذا الحبّ في الاحتفاليّة الأولى، أن تَلقى العناية والرّعاية بصبرٍ وأناةٍ، إلى حين تؤتي أُكُلَها.
بعد مرور عامين من الخطّة الحاليّة، ومع أنّ التّقدم من بلدٍ إلى آخر ليس متماثلًا بطبيعة الحال؛ إلا أنّ عدد البرامج المكثّفة للنّموّ في العالم يقترب من نصف الخمسة آلاف برنامج المتوخّى إنجازها في المسعى العالميّ الحاليّ، ومعدّل ارتفاع هذا الرّقم في تزايدٍ مطّرد. وبنظرةٍ أكثر عمقًا نجد مؤشّراتٍ واعدةً على كيفيّة تجلّي قوى وإمكانيّات الأفراد والجامعات والمؤسّسات. إنّ تجربة الاحتفال بذكرى المئويّة الثّانية أثبتت للمؤمنين في كلّ مكان أنّ الكثير من تفاعلهم اليوميّ مع النّاس من حولهم يمكن أن يُشحن بروح التّبليغ. وبينما يستجمع العمل في آلاف القرى والأحياء زخمًا، فإنّ حياة جامعةٍ تنبض بالحركة والنّشاط أخذت تتجذّر في كلٍّ منها. إنّ عدد المجموعات الجغرافيّة التي يترسّخ فيها نظام توسيع نطاق هذا النّمط من النّشاط ليشمل المزيد والمزيد من المواقع —وبذا يمكّن الأحباء من اجتياز المعلم الثّالث عبر سلسلة التّطوّر— قد نما بشكلٍ ملحوظ. هنا، في آفاق تعلّم العالم البهائيّ، لا سيّما في حركة السّكّان نحو رؤية حضرة بهاء الله، لا يقتصر الأمر على دخول أعدادٍ غفيرةٍ إلى الحضن الرّحب للأنشطة البهائيّة فحسب، بل إنّ الأحبّاء يتعلّمون الآن كيف لجماعاتٍ كبيرةٍ أن تعتبر نفسها ضمن جامعة الاسم الأعظم. إنّنا نرى كيف أنّ المساعي التّعليميّة للأمر المبارك تتّخذ قدرًا أعلى من التّنظيم؛ إذ ينتقل الأطفال بسلاسة عبر الصّفوف عامًا بعد عام، ويتتابع برنامج التّمكين الرّوحانيّ للشّباب النّاشئ من مستوًى إلى الآخر على نحو يُعتمد عليه. في هذه الأماكن يتعلّم المعهد التّدريبيّ أن يضمن إِعداد مواردَ بشريّةٍ كافيةٍ من أجل توفير الارتقاء الرّوحاني والتّهذيب الأخلاقيّ لأعدادٍ متزايدةٍ من الأطفال والشّباب النّاشئ. إنّ المشاركة في هذه الأنشطة الأساسيّة غدت جزءًا لا يتجزّأ من ثقافة السّكّان إلى درجة أنّه يُنظر إليها باعتبارها جانبًا لا غنًى عنه من حياة الجامعة. هناك حيويةٌ جديدةٌ تنبثق من معشرٍ يتولّون مسؤوليّة تنمية أنفسهم، ويعزّزون المناعة إزاء تلك القوى المجتمعيّة التي تولّد السّلبيّة والهمود. فإذا بإمكانيّات التّقدّم المادّيّ والرّوحانيّ تتشكّل، والواقع الاجتماعيّ يبدأ في التّحوّل.
أحبّتنا الكرام، إنّها حقًّا لحظةُ رفع آيات الشّكر والامتنان إلى المحبوب الأعزّ الأبهى. هناك العديد من الأسباب الدّاعية إلى التّشجيع والتّحفيز، ومع ذلك، فإنّنا ندرك تمامًا حجم المهمّة المتبقّية. أساسًا، وكما أشرنا سابقًا، يجب أن يبرز في المئات من المجموعات الجغرافيّة فريقٌ متنامٍ من المؤمنين الذين يستطيعون، مع المحيطين بهم، الحفاظ على التّركيز المستمرّ على رعاية النّموّ وبناء القدرة؛ الذين يتميّزون بقدرتهم وانضباطهم في مراجعة وتقييم العمل، والتّعلّم من التّجربة. إنّ تربية ومرافقة نواةٍ متناميةٍ من الأفراد في كلّ مكان — ليس فقط في مستوى المجموعة الجغرافيّة، بل وداخل الأحياء والقرى — يمثّل تحدّيًا هائلًا وحاجةً دقيقةً وهامّة، ولكن أينما يحدث هذا، فإنّ النّتائج تتحدّثُ عن نفسها.
إنّنا نشعر بالطّمأنينة عندما نرى مؤسّسات الأمر تضع هذه الحاجة الماسّة في مقدّمة تفكيرها واهتمامها، وتستنبط الآليّات الفعّالة لجعل البصائر النّاشئة عن التّقدم قابلةً للتّطبيق على نطاقٍ واسع. في الوقت نفسه، فإنّ قدرًا أكبر من الخبرة والتّجربة يمنح رؤيةً أوسع للهيئات المركزيّة والإقليميّة والمحلّيّة على حدٍّ سواء. إنّها تنخرط في جميع جوانب تطوّر الجامعة، وتهتمّ بخير ورخاء النّاس خارج نطاق العضويّة الرّسميّة للجامعة، وإدراكًا منها لما لعمليّة المعهد من نتائج عظيمة وآثارٍ عميقة لتقدّم الشّعوب ورقيّها فإنّها تولي اهتمامًا خاصًّا بكيفيّة تعزيز وتقوية المعهد التّدريبيّ. إنّها واعيةٌ لمدى الحاجة إلى الحفاظ على تركيز الجامعة على متطلّبات الخطّة، ودعوة دائرة الأحبّاء دائمة الاتّساع إلى مستوياتٍ أعلى وأعلى من الوحدة والاتّحاد. إنّها ملتزمةٌ بمسؤوليّتها تجاه صقل وتحسين الأنظمة الإداريّة والماليّة بأمانةٍ ووفاء بحيث يمكن توفير الدّعم المناسب لعمل التّوسّع والاستحكام. وهي في ذلك كلّه منهمكةٌ بشكلٍ جوهريّ على خلق ظروفٍ في الجامعة من شأنها أن تُفضي إلى إطلاق قوًى روحانيّةٍ جبّارة.
بينما يتكثّف عمل بناء الجامعة، يستخدم الأحبّاء قدراتهم الجديدة التي قاموا بتطويرها من أجل تحسين الأوضاع في المجتمع من حولهم بحماسٍ يتّقد بفضل دراستهم للتّعاليم الإلهيّة. لقد ارتفع عدد المشاريع قصيرة الأمد بشكلٍ ملحوظ، وتوسّع نطاق البرامج الرّسميّة، وهناك الآن مزيدٌ من المنظّمات التّنمويّة التي تعمل بهدي التّعاليم البهائيّة في مجال التّربية والتّعليم، والصّحّة، والزّراعة ومجالاتٍ أخرى. من التّحوّلات النّاتجة والظّاهرة في الحياة الفرديّة والجماعيّة للسّكّان؛ يمكن تمييز بوادر الحركة الجليّة لقوّة بناء المجتمع المودعة في أمر حضرة بهاء الله. لا غَروَ إذنْ أن تستلهم مكاتب الجامعة البهائيّة العالميّة وبشكلٍ متزايد من مِثل هذه النّماذج من العمل الاجتماعيّ —سواء كانت بسيطةً أو معقّدة، ذات أمدٍ محدّدٍ أو مُستدام— في جهودها للمشاركة في الحوارات السّائدة في المجتمع. هذا مجالٌ آخر مهمّ من مساعي الأمر المبارك التي أحرزت تقدّمًا ملحوظًا. فعلى المستوى الوطنيّ تجري المساهمة في حواراتٍ ذات مغزى لذلك المجتمع —كالمساواة بين الرّجال والنّساء، الهجرة والاندماج، دور الشّباب في التّحول الاجتماعيّ، التّعايش الدّينيّ، وغيرها— بثقةٍ متزايدة وكفاءةٍ عالية وبصيرةٍ متنامية. والمؤمنون من كلّ الأعمار والخلفيّات، أينما يعيشون أو يعملون أو يدرسون، يقدّمون مساهماتٍ قيّمةً في حواراتٍ محدّدة ويسترعون انتباه المحيطين بهم إلى رؤيةٍ ساميةٍ لمبادئَ بلورتها رسالة حضرة بهاء الله الرّحيبة.
لقد تعزّزت مكانةُ الأمر المبارك كثيرًا في مختلف الفضاءات التي تتكشّف فيها الحوارات من خلال حضوره الرّسمي على الشّبكة العنكبوتيّة العالميّة، حضورٌ تَوسّع إلى حدٍّ كبير من خلال إطلاق العديد من المواقع الإلكترونيّة البهائيّة على المستوى الوطنيّ والتّطوير المطّرد لمجموعة المواقع المرتبطة بالموقع البهائي الرّسمي Bahai.org. وقد كان لذلك مردودٌ هائلٌ على نشر الأمر وحمايته على السّواء. فخلال بضعة أيّامٍ فقط انجذب جمهورٌ عالميٌ غفير إلى محتوًى تمّ إبداعه بعنايةٍ عن الأمر المبارك وعُرض من خلال موقع الذّكرى المئويّة الثّانية الذي جرى تحديثه بتسع لغاتٍ في آنٍ معًا، ومن ثَمَّ تمّ تعزيز محتواه الآن بواسطة صفحات مختلف البلدان ممّا يُظهر تنوّع الاحتفالات التي جرت بهذه المناسبة. هناك خططٌ في مراحلها المتقدّمة لتزويد موقع مكتبة المراجع البهائيّة بميزةٍ تُتيح بالتّدريج إصدار نسخٍ إلكترونيّة لألواحٍ أو فقراتٍ من الآثار المقدّسة لم يسبق ترجمتها ونشرها من قبل. إضافة إلى ذلك، فمن المقرّر خلال السّنوات القادمة إصدار مجلّداتٍ جديدةٍ من كتابات حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء مترجمةً إلى اللّغة الإنجليزيّة.
أحدثُ مَشرقي أذكارٍ في العالم جرى تدشينهما مؤخّرًا في سانتياغو في تشيلي وفي باتامبانغ في كمبوديا، أصبحا مركزَي جذبٍ مشهودَين ومنارتي هديٍ في مجتمعهما لكلّ ما يمثّله الأمر المبارك ويدعو إليه. والعدد على وشك الارتفاع. فمن دواعي سرورنا أن نعلن أنّ مراسم افتتاح مشرق الأذكار في نورتِي ديل كاوْكا في كولومبيا سوف تقام في شهر تمّوز/يوليو. علاوة على ذلك هناك المزيد من مشارق الأذكار يلوح إنشاؤها في الأفق. في فانواتو تمّ الحصول على الإذن للشّروع في البناء. في الهند وجمهورية الكنغو الدّيمقراطيّة، أسفرت عمليّةٌ مضنيةٌ بالغة التّعقيد عن النّجاح في امتلاك الأرض في نهاية المطاف. أمّا فرحتنا برؤية تصميم مبنى أوّل مشرق أذكارٍ مركزيّ تمّ كشف النّقاب عنه في بابوا غينيا الجديدة في النّيروز فقد تضاعفت إثْر الكشف أيضًا عن تصميم مشرق الأذكار المحلّيّ في كينيا. في الوقت نفسه كلّنا أمل بأنّ البيان ومجموعة النّصوص المباركة اللّذين صدرا مؤخّرًا حول مؤسّسة مشرق الأذكار، وأعدّتهما دائرة الأبحاث ودراسة النّصوص، سوف يزيدا الأحبّاء تحفّزًا لدرك وتقدير أهمّيّة العبادة في حياة الجامعة. لأنّ البهائيّين في كلّ مكان أثناء قيامهم بأعمال الخدمة، وخصوصًا في جلسات الدّعاء المنتظمة التي يعقدونها، إنّما يضعون الأسس الرّوحانية لمشارق الأذكار المستقبليّة.
لم يبقَ سوى ثلاث سنوات على اكتمال ربع قرنٍ من الجُهد؛ بدأ في عام 1996 وركّز على هدفٍ واحدٍ ألا وهو: تقدّمٌ ملحوظٌ في عملية الدّخول في دين الله أفواجًا. في رضوان عام 2021 سوف يباشر أتباع حضرة بهاء الله خطّةً مدّتها سنة واحدة. إنّ هذا المسعى مختصرٌ إلا أنّه مُحمَّلٌ بالتّباشير، وسوف يكون طليعةَ موجةٍ جديدةٍ من الخطط التي من شأنها أن تجري بسفينة أمر الله إلى القرن الثّالث من العصر البهائيّ. في الأشهر الإثني عشر الميمونة هذه سيشهد العالم البهائيّ إحياء ذكرى مرور قرنٍ على صعود حضرة عبد البهاء، والذي سيتضمّن اجتماعًا خاصًّا في المركز البهائيّ العالميّ يُدعى إليه مندوبون عن كلّ محفلٍ روحانيٍّ مركزيٍّ وكلّ مجلسٍ بهائيٍّ إقليميٍّ. بيد أنّ هذا ليس سوى باكورة سلسلة الأحداث التي سوف تُهيّئ المؤمنين لمتطلّبات العقود القادمة. في شهر كانون الثّاني/يناير الذي يليه، سوف تهلّ علينا مناسبة انقضاء مائة عامٍ منذ القراءة العلنيّة الأولى لألواح وصايا حضرة عبد البهاء؛ مناسبةٌ لعقد مؤتمرٍ في الأرض المقدّسة يجمع معًا أعضاء هيئات المشاورين القاريّة وكافة أعضاء هيئات المعاونين لحفظ وحماية الأمر ونشر نفحاته. ومن ثَمّ فإنّ الطّاقة الرّوحانيّة المنطلقة في هذين الاجتماعين التّاريخيّين ينبغي نقلها إلى جميع أحبّاء الله في أيّما أرضٍ يقيمون. وتحقيقًا لهذا الغرض سوف تقام سلسلة مؤتمراتٍ في جميع أنحاء العالم في الشّهور التي تلي عقدهما، لتكون عاملًا حافزًا للمسعى متعدّد السّنوات الذي يعقب خطّة السّنة الواحدة.
وهكذا، تقترب مرحلةٌ جديدةٌ من مراحل تكشّف الخطّة الإلهيّة التي رسمها حضرة المولى. لكنّ هناك مشهدًا مثيرًا وأكثر فورية يمتدّ مباشرةً أمامنا. فذكرى المئويّة الثانية لمولد حضرة الباب لا تبعد عنّا الآن سوى عامٍ ونصف. إنّها بُرهةٌ زمنيّةٌ نستذكر فيها البطولة الخارقة لِمُبشّر أمرنا الشّهيد، الذي دفعت فترة ولايته المُفعمة بالأحداث الدّرامية البشريّةَ إلى ولوج عصرٍ جديدٍ من التّاريخ. وعلى الرّغم من أنّها تبعد عن زماننا قرنين مديدين؛ إلا أنّ المجتمع الذي ظهر فيه حضرة الباب يماثل عالم اليوم من حيث الإحساس بالظّلم، وتوق الكثيرين للعثور على أجوبة تروي غليل نفوسهم المتلهّفة للمعرفة. وفي معرض النّظر في كيفيّة إحياء الذّكرى المئويّة الثّانية هذه على نحوٍ لائق؛ ندرك أنّ هذه الاحتفالات ستتّسم بطابعها الخاص. إلا أنّنا نتوقع ازدهارًا لأنشطة وفعالياتٍ لا تقلّ غنًى ولا شمولًا عن تلك التي رافقت الذّكرى المئويّة الثّانية الفائتة للتّوّ. إنّها مناسبةٌ لا شكّ ستتطلّع إليها كلّ جامعةٍ وسينتظرها كلّ بيتٍ وكلّ قلبٍ بلهفةٍ وترقّب.
إنّ الشّهور القادمة ستكون أيضًا خير أوانٍ لنستعيد في أذهاننا حياة أتباع حضرة الباب البواسل —البطلات والأبطال الذين عبّروا عن إيمانهم بتضحياتٍ منقطعة النّظير؛ أعمالٍ بطوليّةٍ سوف تزيّن سجلّ تاريخ الأمر المبارك إلى الأبد. إنّ سجايا الشّجاعة، والاستقامة، والانقطاع عمّا سوى الله تُبهِر كلّ من يطلّع على مبادراتهم المحفوفة بالمخاطر. كم هو آسرٌ ومدهشٌ أيضًا صغر أعمار معظم أولئك الذين حملوا بين أضلعهم قلوبَ الآساد، ليضعوا في ريعان شبابهم بصماتٍ على التّاريخ لا تُمحى. لعلّ شجاعتهم تُقدّم في الفترة القادمة خير مثالٍ لمعشر المؤمنين الأوفياء قاطبةً لا سيّما الشّباب منهم، المدعوّين مرّةً أخرى ليكونوا في طليعة نهضةٍ لا تبتغي أقلّ من تحوّل العالم.
هذا إذنْ هو أملُنا المُشرق الزّاهر. أن تتيحوا خلال الدّورات السّتّ الفاصلة بين هذا الرّضوان والذّكرى المئويّة الثّانية القادمة —وبالأحرى خلال السّنوات الثّلاث الباقية من الخطّة الحاليّة— لذلك الحبّ الجارف الفريد الذي حرّك ودفع بحواريّي حضرة الباب إلى نشر النّور الإلهي؛ أن يلهمكم بجلائل الأعمال وعظيم الخدمات. أدعيتنا في العتبة المقّدسة أن تشملكم تأييداتُ الملإ الأعلى.
مع اقتراب موعد حلول العيد الأعظم تتملّكنا مشاعر مفعمة بالامتنان والتّرقّب: الامتنان لروعة الإنجازات الّتي أيّد حضرة بهاء الله أتباعه على تحقيقها؛ والتّرقّب لما يحمله المستقبل القريب بين ثناياه.
إنّ الزّخم الّذي تولّد من جرّاء الاحتفالات بالذّكرى المئويّة الثّانية لمولد حضرة بهاء الله في جميع أرجاء العالم قد نما وتعاظم منذ ذلك الحين. فالتّطوّر المتسارع للجامعة البهائيّة، وقدرتها المتزايدة، ومقدرتها على إطلاق طاقات المزيد من أعضائها تظهر جليّةً في مُجمل إنجازاتها العالميّة الأخيرة. ومن بين تلك الإنجازات تبرز على وجه التّحديد زيادة نشاطات بناء الجامعة. إنّ خطّة السّنوات الخمس الحاليّة تأتي في أعقاب عشرين عامًا من الجهود الّتي بذلها العالم البهائيّ لصقل ومضاعفة هذه النّشاطات بصورةٍ منهجيّة—لكنّ اللّافت للنّظر أنّه خلال السّنتين والنّصف الأولى من الخطّة ارتفع عدد النّشاطات الأساسيّة وحدها بما ينوف عن النّصف. لقد أظهرت الجامعة في أنحاء العالم مقدرتها على إشراك ما يربو عن مليون شخصٍ في نشاطاتٍ من هذا القبيل في أيّ وقتٍ من الأوقات، ومساعدة هؤلاء على استكشاف الحقائق الرّوحانيّة والاستجابة لها. في هذه الفترة القصيرة نفسها ارتفع عدد جلسات الدّعاء إلى ما يقارب الضّعف—استجابةً لأحوَج ما تكون إليها البشريّة بسبب تنامي غفلتها عمّن هو منبع الأمل والعطاء. إنّ هذا تطوّر واعدٌ يبعث على الأمل، ذلك لأنّ جلسات الدّعاء تبثّ روحًا جديدةً في حياة الجامعة.ونظرًا لارتباطها الوثيق بالمساعي التّعليميّة لكافّة الأعمار فإنّها تعزّز الغاية السّامية لتلك المساعي وهي: رعاية جامعات تمتاز بعبادتها لله وخدمتها لبني البشر. ويظهر هذا جليًّا في تلك المجموعات الجغرافيّة الّتي تُستدام فيها مشاركة أعدادٍ كبيرةٍ في النّشاطات البهائيّة وتخطّى فيها الأحبّاء المعلم الثّالث من مسيرة تطوّر جامعتهم. إنّه لمن دواعي غبطتنا أن نرى عدد المجموعات الجغرافية الّتي تقدّمت فيها عمليّة النّموّ إلى هذا المدى قد تجاوز الضّعف منذ بداية الخطّة ويبلغ الآن قرابة الخمسمائة.
هذا العرض الموجز لا يمكن أن يفي حجم التّحوّل الجاري حقّه. إنّ التّوقّعات المُرتقبة للعامين المتبقّييْن من الخطّة باهرةٌ مشرقة. لقد تحقّق الكثير في السّنة المُنصرمة هذه من خلال نشرٍ واسع للدّروس المُستقاة من برامج النّمو الأقوى في المجموعات الجغرافية التي، كما كنّا نأمل، أصبحت مستودعاتٍ للمعرفة والموارد. إنّ دار التّبليغ العالميّة، والمشاورين، ومعاونيهم الّذين لا تكلّ لهم همّة؛ لا يتوانون عن التأكّد بأنّ الأحباءَ في جميع أنحاء العالم يمكنهم الاستفادة من هذا التّسارع في عمليّة التّعلم وتطبيق البصائر المكتسبة على واقعهم الخاصّ. إنّه لمن دواعي سرورنا أن نرى ظهور نواة من الأحبّاء في عددٍ مُتنامٍ من المجموعات الجغرافيّة وفي أحياء وقرى واقعةٍ ضمنها، يسعون من خلال العمل والمراجعة والتّقييم لاكتشاف ما هو المطلوب في مرحلةٍ بعينها من أجل تقدّم عمليّة النّموّ في محيطهم. إنّهم يعتمدون على المعهد كأداةٍ فعّالةٍ يتمّ من خلالها تعزيز المقدرة على المساهمة في الازدهار الرّوحاني والمادّي للجامعة، وبينما هم يعملون يتزايد عدد الّذين ينضمّون إليهم. من الطّبيعي أنّ الظّروف متفاوتةٌ تفاوتًا كبيرًا من مكانٍ إلى آخر شأنها في ذلك شأن خصائص النّموّ. بيد أنّه ومن خلال السّعي المنهجيّ يتمكّن كلّ فردٍ من تقديم مساهمةٍ أكثر فاعليّةً في العمل الجاري. في كلّ مكان هنالك فرحةٌ عارمةٌ تواكب إشراك سائر النّفوس في أحاديث ملهمةٍ هادفةٍ من شأنها أن تؤدّي سريعًا أو تدريجيًّا إلى إذكاء القابليّات الرّوحانيّة. وكلّما كانت الشّعلة أكثر توهُّجًا في قلب المؤمن، كلّما اشتدّت قوّة الانجذاب الّتي يستشعرها أولئك المُعَرّضون لدفئها. ولقلبٍ يتّقد حُبًّا بحضرة بهاء الله، أهناك انشغالٌ أهمّ من أن ينشد نفوسًا متآلفةً يشجّعها لتَلِجَ طريق الخدمة ويرافقها لتكتسب الخبرة؛أو سعادة أعظم من أن يرى نفوسًا تصبح راسخة الإيمان، تنهض معتمدةً على ذواتها وتمدّ يد العون لآخرين يسيرون في الرّحلة نفسها. تلكم هي أسعد اللّحظات التي تهبها هذه الحياةالعابرة.
إنّ فرص التّقدّم بهذا المشروع الرّوحانيّ تزداد حماسةً مع اقتراب الذّكرى المئويّة الثّانية لمولد حضرة الباب. فعلى غرار المئويّة الثّانية التي سبقتها؛ تعتبر هذه الذّكرى لحظةً لا تُقدّر بثمنٍ. إنّها توفّر لجميع البهائيّين فرصًا رائعةً لإيقاظ من حولهم ليتنبّهوا إلى”يوم الله“ العظيم، وإلى رشحات الفيض السّماويّ الّتي نزلت بفضل ظهور مظهريْن إلهيّين؛ النيّرين الأعظمَين المتعاقبَين اللّذيْن أنارا أفق العالم. إنّ حجم العمل الّذي يمكن القيام به خلال دورتي النّشاط القادمتيْن معروفٌ لدى الجميع من تجربة الذّكرى المئويّة الثّانية قبل عامين، إذ ينبغي توجيه كلّ ما تمّ تعلّمه في تلك المناسبة نحو الخطط المرسومة للاحتفال بعيد المولديْن المباركيْن هذا العام. ومع اقتراب الذّكرى المئويّة الثّانية، سوف نبتهل مرارًا في الأعتاب المقدّسة بالنّيابة عنكم عسى أن تتكلّل جهودكم للاحتفاء بشكلٍ لائقٍ بمولد حضرة الباب بالنّجاح في تقدّم الأمر الأعظم الّذي بشّر به.
لم يتبقَّ على نهاية القرن الأوّل من عصر التّكوين سوى عامين ونصف العام ليكون ذلك ختامًا لمائة عامٍ من الجهود المكرّسة لاستحكام وتوسيع الأساس الّذي أُرسيت دعائمه بتلك التّضحيات العظام إبّان العصر البطوليّ لأمر الله. حينئذٍ سوف تُحيي الجامعة البهائيّة أيضًا ذكرى مرور مائة عام على صعود حضرة عبد البهاء، تلك اللّحظة التي تحرّرت فيها روح المولى المحبوب لينطلق من مفازة الدّنيا إلى الأفق الأعلى وينضمّ إلى والده الجليل في رفارف العزّ الأبهى. إنّ مراسم تشييع جثمانه الطّاهر التي تمّت في اليوم التّالي كانت حدثًا ”لم تشهد له فلسطين مثيلًا من قبل“. وفي ختامها ووري رمسه المطهّر في حجرةٍ مجاورةٍ لتلك الّتي ترقد فيها رفات حضرة الباب. ومع ذلك فقد ارتأى حضرة شوقي أفندي بأنّ هذا ليس إلا ترتيبًا مؤقّتًا، ففي الوقت المناسب ينبغي تشييد مرقدٍ يليق بمقام حضرة عبد البهاء الفريد.
لقد حان ذلك الوقت. إنّ العالم البهائي مدعوٌّ إلى بناء صرحٍ سيحتضن ذلك الرّفات المقدّس إلى الأبد. لقد تقرّر تشييده بجوار حديقة الرّضوان على أرضٍ استُبركت بأقدام الجمال المبارك، وهكذا سوف يتربّع مرقد حضرة عبد البهاء المنوّر على مسار الهلال الممتدّ بين المقاميْن المقدّسَيْن في عكّاء وحيفا. والعمل جارٍ على استكمال المخطّطات المعماريّة وسيتمّ موافاتكم بمزيد من المعلومات في الأشهر القادمة.
تخالجنا مشاعر عارمة من الفرح والابتهاج إذ نتأمّل العام المقبل بكلّ ما يحمله من وعود. ونتطلّع إلى كلّ واحدٍ منكم–خدّام حضرة بهاء الله، العاملين في كلّ بلدٍ من أجل إرساءالسّلام– للإيفاء برسالتكم السّامية.
[توقيع: بيت العدل الأعظم]
دو واقعیّتی که در حال شکلگیری است، این جمع را بر آن داشت که شما را مورد خطاب قرار دهیم. واقعیّت اوّل آگاهی فزاینده در سراسر جهان از خطرات نامعلوم و هولناک حاصله از بیماری جهانگیر ویروس کرونا است. در بسیاری از کشورها علیرغم تلاشهای جمعیِ شجاعانه و قاطعانه برای جلوگیری از فاجعه، وضع وخیم کنونی مصیبتهایی برای خانوادهها و افراد به بار آورده و تمامی اجتماع را در بحران غوطهور ساخته است. امواج رنج و اندوه از نقطهای به نقطۀ دیگر در حرکت است و ملل مختلف را در لحظات متفاوت و به طرق گوناگون ضعیف خواهد ساخت.
واقعیّت دوم که هر روز آشکارتر میگردد، استقامت و پویایی کاستیناپذیر عالم بهائی در قبال چالشی بی شبه و مثیل در تاریخ معاصر است. عملکرد شما فوقالعاده بوده است. یک ماه پیش وقتی در روز نوروز نکاتی را با شما در میان گذاشتیم، مشتاق بودیم که بر خصوصیّات بارزی تأکید نماییم که جوامع بهائی با وجود مختل شدن الگوی معمولی فعّالیّتهایشان همچنان از خود نشان میدادند. آنچه در طیّ هفتههای بعد واقع شده، زمانی که بسیاری از دوستان ملزم به رعایت محدودیّتهای فزایندۀ شدیدی بودهاند، حسّ تحسین این جمع را عمیقتر ساخته است. بعضی جوامع با استفاده از تجارب سایر نقاط جهان، طرقی امن و خلّاق برای افزایش آگاهی مردم نسبت به مستلزمات بهداشت عمومی یافتهاند. توجّه خاصّ به کسانی معطوف میشود که بیشتر در معرض خطر ابتلا به ویروس و مشکلات اقتصادی ناشی از گسترش آن قرار دارند؛ ابتکارات گزارش شده در سرویس خبری جامعۀ بهائی صرفاً نمونۀ بسیار محدودی از تعداد بیشمار ابتکاراتی است که در شرف انجام میباشد. این ابتکارات مکمّل کوششهایی است که در جهت بررسی، ترویج و پرورش آن صفات روحانی که در این زمان بیش از پیش مورد نیاز است مبذول میگردد. بسیاری از این کوششها ناگزیر در کانون خانواده و یا در خلوت تنهایی صورت میگیرد امّا هر جا شرایط اجازه دهد یا وسایل ارتباطی امکانش را فراهم سازد، پرورش یک حسّ همبستگی فوقالعاده را بین نفوسی که وضعیّت مشابه دارند موجب میشود. پویایی و تحرّک حیات جامعه که حائز اهمّیّت بسیاری برای پیشرفت جمعی است تضعیف و تخفیف نخواهد یافت.
از مشاهدۀ اینکه محافل روحانی ملّی، سرداران خستگیناپذیر لشکر نور، با چه قابلیّتی جوامع خود را هدایت نموده و عملکرد آنها را در این بحران شکل دادهاند، روح این مشتاقان به اهتزاز آمده است. این محافل قویّاً از همکاری و حمایت مشاورین قارّهای و هیئتهای معاونت که مثل همیشه پرچم خدمات عاشقانه را دلیرانه برافراشتهاند، برخوردار بودهاند. محافل با اطّلاع کامل از وضعیّت سریع التّغییر در کشورشان، ترتیبات لازم را برای ادارۀ امور امر الله و به خصوص برگزاری انتخابات، هر جا که میسّر بوده فراهم ساختهاند. مؤسّسات و نهادها از طریق مکاتباتِ مرتّب و با توصیههای مدبّرانه موجب تسلّی و اطمینان بخشیدن و تشویق مداوم بودهاند. همچنین در بسیاری از موارد، این مؤسّسات و نهادها مبادرت به شناسایی موضوعات سازندهای نمودهاند که از گفتمانهای مطرح در اجتماعشان آغاز گردیده است. امیدی که در پیام نوروز خود ابراز داشتیم که این آزمونِ تحمّل و طاقت عالم انسانی بصیرت بیشتری به بشریّت بخشد، هماکنون در حال تحقّق یافتن است. رهبران، متفکّرین برجسته و مفسّرین شروع به بررسی بیباکانۀ مفاهیم بنیادین و آرمانهایی کردهاند که در دوران اخیر اکثراً در گفتمانهای عمومی وجود نداشت. اگرچه این جریان در حال حاضر مانند بارقههای اوّلیّه است، ولی امکان تحقّق یک آگاهی جمعی را در نظر میآورد.
تسلّی خاطر این جمع از مشاهدۀ استقامتی که عالم بهائی در عمل ظاهر میسازد مقرون با حزن و اندوهی است که ناشی از عواقب این بیماری جهانگیر است. آگاهیم که متأسّفانه احبّا و دوستانشان نیز در این رنج سهیم و شریکاند. جدایی و فاصلهگیری از دوستان و محدودیّت روابطی که بسیاری از مردم جهان در حال حاضر نظر به مقتضیات صحّت عمومی رعایت میکنند، برای بعضی به جدایی دائمی منتهی خواهد شد. در هر صبحگاه مسلّم به نظر میرسد که تا قبل از غروب آفتاب رنج و درد بیشتری در پیش خواهد بود. امید آنکه وعدۀ تجدید دیدار در جهان جاودان به کسانی که عزیزانشان را از دست میدهند تسلّی بخشد. برای تسکین قلوب و شمول فضل الهی بر کسانی که تحصیل، معیشت، مسکن، و حتّی امکانات امرار معاش آنان در معرض خطر است دعا میکنیم. در آستان جمال ابهی با کمال تضرّع و ابتهال فضل و عنایاتش را برای شما و عزیزانتان و برای همۀ هموطنانتان میطلبیم.
هر چقدر مسیری که در پیش است طولانی و دشوار باشد، به بردباری و پایداری شما و عزم راسختان به اینکه این سفر را پشت سر خواهید گذاشت اطمینان کامل داریم. شما از مخازن امید، ایمان و علوّ طبع فیض میبرید، نیاز دیگران را بر نیاز خود مقدّم میشمرید، محرومان را از مائدۀ روحانی بهرهمند میسازید، نفوس را که بیش از پیش تشنۀ پاسخ هستند سیراب میکنید و به آرزومندانِ بهبود و اصلاح عالم وسیله و ابزار ارائه میدهید. از پیروان مخلص جمال قدم چگونه میتوانیم انتظاری کمتر از این داشته باشیم؟
إنّ ما يدفعنا إلى توجيه هذه الكلمات إليكم حقيقتان ناشئتان. الحقيقة الأولى هي الوعي ال م تنامي حول العالم للأخطار الكارث يةّ المروّ عة التي تلوح في الأفق جرّاء تفشّ ي جائحة الفيروس ال تاّجي )كورونا(. فعلى الرّ غم من تضافر الجهود الجماع يةّ الشّ جاعة وال صّارمة لتج نّب الكارثة إلا أنّ الوضع في العديد من البلدان خطي ر بالفعل ممّ ا يخلق مصائب ومآ س للعائلات والأفراد ويوقع مجتمعا ت بأكملها في براثن أزمة. إ نّ أمواج ال م عاناة والأسى تضرب مكان ا تلو الآخر وست ضعف شعو ب ا مختلفة في لحظات متفاوتة وبأشكال متباينة.
الحقيقة ال ثاّنية التي تتج لّى يوم ي ا وبوضو ح متزايد هي ثبات العالم البهائيّ وحيو يتّه غير المنقوصة في مواجهة تح دّ لا نظير له في الذ اّكرة الح يةّ. إنّ استجابتكم كانت رائعة. قبل شهر وفي الرّ سالة التي بعثناها إليكم بمناسبة ال نيّروز حرصنا على ال تأّكيد على ال صّفات ال م بهرة التي تبديها الجامعات التي تع ط ل نمط نشاطها ال طّبيع يّ. إنّ جميع ما حدث في الأسابيع الفاصلة منذ ال نيّروز حتى الآن، والذي ألزم العديد من الأح بّاء إلى الامتثال خلالها لقيو د صارم ة على نح و متزايد، إ نّما عمّ ق مشاعر الإعجاب لدينا. فمن خلال الت عّ لّم من الخبرة المكتسبة في مناطق مختلفة من العالم وجدت بعض الجامعات طرق ا آمنة وخلّاقة لرفع مستوى الوعي بمتطلّ بات الصّ حّة العا مّة بين السّ كّ ان. إ نّ اهتما ما خا ص ا يولى لمن هم الأكثر تع ر ضا لخطر الفيروس وال ضّائقة الاقتصاد يةّ ال نّاجمة عن انتشاره؛ والمبادرات المعروضة على موقع "خدمة أخبار العالم البهائي" في هذا الصّ دد ليست سوى نبذة يسيرة من مبادرا ت جاري ة لا تحصى. وهذه المساعي ت ستكمل من خلال جهو د لدراسة وتعزيز وصقل تلك الصّ فات الرّ وحان يّة المطلوبة بإلحاح في الوقت الرّ اهن. إنّ الكثير من هذه الجهود ت بذل بال ضّرورة في إطار العائلة أو في ال ع زلة، ولكن حيثما تسمح ال ظّروف أو ت تاح الإمكان يّات بفضل وسائل الات صّال، فإ نهّ يجري العمل بنشاط على تعزيز الشّ عور بتراب ط وتضام ن استثنائ يّ بين نفو س ت جابه ظروف ا مماثلة. إ نّ ديناميك يّات حياة الجامعة، ذات الأه مّ يّة القصوى لل تقّد مّ الجماعي، لن يتمّ كبحها.
لقد انتعشت أروا ح نا لمشاهدة كيف أنّ المحافل الرّ وحان يةّ المركز يةّ، جنرالات جند ال نّور المتفانين تولوّا قيادة جامعاتهم بكفاء ة واقتدار ومساعدتها في صياغة استجابتها تجاه الأزمة ،
وهم يتلق ون الد عّم القويّ من المشاورين ومعاونيهم الذين استبسلوا في رفع راية الخدمة ال م فعمة بالمح بةّ عال ي ا كما هو الحال دائ م ا. في حين كانت المحافل على اطّ لاع وا ف بالظّ روف سريعة ال تغّيير في بلدانها، ا تخّذت الت رّتيبات اللّا زمة لإدارة شوون الأمر المبار،، وخاصّ ة لإجراء الانتخابات حيثما الإمكان يّة ما زالت قائمة. ومن خلال الا تصّالات المنتظمة استطاعت الموسّ سات ووكالاتها من تقديم المشورة الحكيمة، وال تطّمين الباعث على السّ كينة، وال تشّجيع المستمرّ ؛ وفي العديد من الحالات بدأت تحد دّ المواضيع الب نّاءة التي تنبثق من الحوارات التي تتكشّ ف في مجتمعاتها. إنّ ما ع برّنا عنه في رسالتنا بمناسبة النّ يروز من توقّ ع بأنّ هذا الاختبار لقدرة البشرية على ال تحّمّل من شأنه أن يمنحها قد ر ا أكبر من البصيرة قد تحقّق فع لا . لقد بدأ القادة والمفكّ رون البارزون والمح لّلون في استكشاف المفاهيم الأساس يةّ وال تطّ لّعات ال شّجاعة التي كانت غائبة إلى ح د ّ كبير عن الحوارات العامّ ة في الآونة الأخيرة. إ نّها ليست سوى ومضا ت مبْكِر ة في الوقت الحاضر، مع ذلك فهي تحمل في طياّتها إمكان يةّ أن ت سفر عن لحظ ة من وعي جماعي.
إنّ الحزن الذي يعترينا لعواقب هذه الجائحة على البشر يةّ، يحد ّ من الشّ عور بالارتياح الذي ينتابنا جرّ اء مشاهدة ثبات العالم البهائيّ وصموده والذي يتجلىّ في العمل. ويا أسفاه إذ إ نّنا ندر، أنّ للمومنين ورفاقهم نصي ب من هذه المعاناة. إنّ الابتعاد عن الأصدقاء وتحديد العلاقات بسبب ما تمليه متطل بّات السّ لامة العامّ ة والذي يلتزم به الكثير من ال نّاس في العالم الآن يود يّ بال نسّبة للبعض إلى فرا ق دائم. مع بزوغ كلّ فجر يبدو أكيد ا أنْ لا مناص من مكابدة المزيد من المعاناة قبل أن توول ال شّمس إلى المغيب. عسى أن يكون في الوعد بلمِّ الشّ مل في العوالم الأبد يّة خير عزا ء وسلوان لأولئك الذين يفقدون أحبابهم. إ ننّا نتو جّه بالد عّاء إلى الله أن تحلّ الرّ احة والطّ مأنينة في قلوبهم، وأن ي غ مر فضل ه وإحسان ه أولئك الذين يحيق الخطر سواء بتعليمهم، أو بسبل معيشتهم، أو بمساكنهم أو حت ىّ بقوتهم اليوميّ . من أجلكم ومن أجل أعزّتكم ومن أجل مواطنيكم نتوسّ ل إلى حضرة بهاء الله راجين شمول بركاته وتأييداته.
مهما يكن الطّ ريق الذي لا بد من السّ ير فيه طوي لا وشاق ا، إلا أن نّا على أتمّ ثق ة باستقامتكم وعزمكم على اجتياز الرّ حلة. إ نّكم تستمدوّن من مخازن الأمل، والإيمان، والشّ هامة، تقدمّون احتياجات الآخرين على احتياجات أنفسكم، وتمكّ نون المحرومين لينتعشوا روحي ا، وتروون غل ة أولئك المتع طّشين للأجوبة على نحو متزايد، وتمنحون الذين يتوقون لخير العالم سبل تحقيقه.
وكيف لنا أن نتوقّع من أتباع الجمال المبار، المخلصين أقلّ من هذا؟
لقد سُطِّرَت الآن الكلمات الأخيرة في فصل لا يُنسى من تاريخ الأمر المبارك، والصّفحةُ طُويت. إنّ هذا الرّضوان إيذانٌ بختام عامٍ استثنائيٍّ لخطّة خمسيّة وسلسلة كاملة من الخطط التي بدأت في عام 1996. إنّ سلسلةً جديدةً من الخطط تلوح في الأفق بدءًا بخطّة مدّتها اثني عشر شهرًا غاية في الأهمّيّة وهي مقدّمةٌ لجهدٍ مدّته تسع سنوات سيتمّ تدشينه في الرّضوان القادم. إنّ أمام ناظرينا جامعة اكتسبت القوّة سريعًا وعلى استعداد لاتّخاذ خطواتٍ كبيرةٍ للمضيّ قُدمًا. إلّا أنّه ينبغي ألّا تساورنا ريبةٌ حول مقدار ما تطلّب الوصول إلى هذه النّقطة من سعي وجهد، ومدى تعسّر الحصول على البصائر المكتسبة على امتداد الطّريق: إنّ الدّروس المُستقاة ستشكّل مستقبل الجامعة، كما أنّ سردَ كيفيّة تعلُّمها يُلقي الضّوء على ما هو آتٍ.
إنّ العقود السّابقة لعام 1996 والغنيّة بالتّطوّرات والبصائر الخاصّة بها، لم تدع أدنى مجالٍ للشّكّ في أنّ أعدادًا كبيرةً من النّاس في شتّى المجتمعات على استعدادٍ للدّخول تحت لواء الأمر البديع. ومع ذلك، وبقدر ما كانت حالات الانضمام إلى الأمر على نطاقٍ واسعٍ مشجّعة، إلّا أنّها لم تؤدِّ إلى عمليّة نموٍّ مستدامة يمكن تعهّدها بالرّعاية في بيئات متنوّعة. أسئلةٌ عميقةٌ واجهت الجامعة التي لم تكن تتمتّع بالخبرة الكافية للإجابة عليها بشكلٍ وافٍ حينذاك: كيف يمكن للجهود الرّامية إلى توسعة الجامعة أن تسير جنبًا إلى جنب مع عمليّة الاستحكام وتفضي إلى حلٍّ لتحدي النّموّ المستدام الذي لطالما بدا مُستعصيًا؟ كيف يكون بالإمكان النّهوض بالأفراد والمؤسّسات والجامعات بحيث تصبح قادرةً على ترجمة تعاليم حضرة بهاء الله إلى أفعال؟ وكيف يمكن لأولئك الذين انجذبوا إلى تعاليمه أن يصبحوا أنصارًا فاعلين في المشروع الرّوحانيّ العالميّ؟
وهكذا فقبل ربع قرنٍ من الزّمان شرَعت جامعةٌ لا تزال تتمتّع بوجود ثلاثة من أيادي أمر الله يتصدّرون صفوفها الأماميّة خطّة السّنوات الأربع التي امتازت عن سابقاتها بالتّركيز على هدفٍ واحدٍ هو: تقدّمٌ ملحوظ في عمليّة الدّخول في دين الله أفواجًا. لقد صاغ هذا الهدف سلسلة الخطط التي تلت. فقد كانت الجامعة قد أدركت بالفعل أنّ هذه العمليّة لم تكن مجرّد دخول مجموعات كبيرة في ظلّ الأمر المبارك، وأنّها لن تنبثق بصورةٍ تلقائيّة، بل تتضمّن توسّعًا واستحكامًا هادفًا ومنهجيًّا ومتسارعًا، وأنّ هذا العمل يتطلّب مشاركةً واعيةً لأعداد كبيرة من النّفوس. ومن ثمّ تمّت دعوة العالم البهائي عام 1996 لمواجهة التّحدّي التّعليميّ الهائل الذي ينطوي عليه هذا العمل، وإنشاء شبكةٍ من معاهدَ تدريبيّةٍ تركّز على توليد دفقٍ متزايدٍ من الأفراد ينعمون بالقدرات اللّازمة لاستدامة عمليّة النّموّ.
بدأ الأحبّاء في تنفيذ هذه المهمّة مدركين أنّه وعلى الرّغم من انتصاراتهم السّابقة في مجال التّبليغ، فمن الواضح أنّ هناك الكثير ممّا كان عليهم تعلّمه حول القدرات التي يجب اكتسابها، والأهمّ من ذلك كيفيّة اكتساب تلك القدرات. فمن نواحٍ عديدة تتعلّم الجامعة من خلال العمل، وبمرور الوقت يجري استخلاص الدّروس المُستقاة وصقلها عن طريق تطبيقها في بيئات مختلفة، ويتمّ دمجها في المواد التّعليميّة في نهاية المطاف. لقد تبيّن أنّ بعض الأنشطة جاءت استجابةً طبيعيّةً لاحتياجات السّكّان الرّوحيّة. برزت الحلقات الدّراسيّة، وصفوف الأطفال، وجلسات الدّعاء، ثمّ مجموعات الشّباب النّاشئ لاحقًا باعتبارها ذات أهمّيّة محوريّة في هذا الصّدد. إنّ هذه الأنشطة عندما تنسجم معًا وتترابط مع الأنشطة ذات الصّلة فإنّ الدّيناميكيّات المتولّدة باستطاعتها أن تؤدّي إلى ظهور نمطٍ حيويٍّ من حياة الجامعة. ومع تنامي أعداد المشاركين في هذه الأنشطة الأساسيّة أُضيف بُعدٌ جديد إلى هدفها الأصليّ: وهو أنّها صارت أبوابًا مشرّعةً يمكن للشّباب والكبار والعائلات من المجتمع الأوسع أن يتعرّفوا من خلالها على ظهور حضرة بهاء الله. كما أصبح من الواضح أيضًا كيف أنّه من العمليّ النّظر في استراتيجيّات عمل بناء الجامعة ضمن سياق "المجموعة الجغرافيّة": وهي منطقة جغرافيّة ذات مساحة تسهل إدارتها وتتمتّع بسماتٍ اجتماعيّة واقتصاديّة تميّزها. بدأت المقدرة على إعداد خططٍ بسيطةٍ على مستوى المجموعة الجغرافيّة تتعزّز، ومن خلال هذه الخطط نشأت برامج لنموّ الأمر المبارك نُظّمت في صورة دورات نشاطٍ مدّتها ثلاثة أشهر. نقطةٌ هامّةٌ برزت بشكلٍ واضحٍ وفي وقتٍ مبكّر: إنّ حركة الأفراد عَبر سلسلة من الدّورات تعطي زخمًا وتدوم من خلال حركة المجموعات الجغرافيّة على امتداد سلسلة متّصلة من التّطوّر. ساعدت هذه العلاقة التّكامليّة الأحبّاء في كلّ مكان على تقييم ديناميكيّات النّموّ في محيطهم ورسم طريقٍ نحو مزيدٍ من القوّة. مع مرور الوقت ثبت أنّه من المثمر فهم ما كان يحدث في مجموعةٍ جغرافيّةٍ ما من منظور الضّرورات التّعليميّة الثّلاث – والتي تخدم الأطفال، والشّباب النّاشئ، والشّباب والكبار – وكذلك من منظور دورات النّشاط الضّرورية لإيقاع النّموّ. إنّ العديد من السّمات الأكثر تميّزًا لعمليّة النّموّ اليوم كانت قد ترسّخت بشكلٍ جيّدٍ في النّصف الأوّل من السّنوات الخمس والعشرين لهذا المسعى.
مع تكثيف جهود الأحبّاء، بدأ العديد من المبادئ والمفاهيم والاستراتيجيّات العالميّة ذات الصّلة بعمليّة النّموّ تتبلور في إطار عمل يمكن أن يتطوّر لاستيعاب عناصر جديدة. لقد ثبت أنّ إطار العمل هذا أساسيٌّ لإطلاق حيويّةٍ هائلةٍ، فقد ساعد الأحبّاء على توجيه طاقاتهم بطرقٍ أظهرت التّجربة أنّها كانت مواتية لنموّ جامعات صحّيّة؛ إلّا أنّ إطار العمل ليس صيغةً ثابتةً. مع أخذ العناصر المختلفة لإطار العمل بالاعتبار عند تقييم واقع مجموعةٍ جغرافيّةٍ أو جامعةٍ محلّيّةٍ أو مجرّد حيٍّ، أمكن تطوير نمطٍ من النّشاط اعتمد على ما كان يتعلّمه بقيّة العالم البهائيّ بينما يستجيب لخصوصيّات ذلك المكان. إنّ الثّنائيّة المتمثّلة في المتطلّبات الصّارمة من ناحية والأولويّات الشّخصيّة اللّامحدودة من ناحية أخرى تبدّدت لتفسح المجال لفهمٍ أدقّ لمجموعةٍ متنوّعةٍ من الوسائل التي يمكن للأفراد من خلالها دعم عمليّة تمتاز في جوهرها بالاتّساق ويتمّ صقلها باستمرار مع تراكم الخبرة. ينبغي ألّا يكون هناك شكّ في التّقدّم الذي مثّله تبلور هذا الإطار: إنّ الآثار المترتّبة على تنسيق وتوحيد مساعي العالم البهائيّ بأسره ودفع مسيرته إلى الأمام أسفرت عن نتائج عظيمة.
ومع تعاقب الخطط واتّساع نطاق الانخراط في أعمال بناء الجامعة، أصبح التّقدّم على مستوى الثّقافة أكثر وضوحًا. على سبيل المثال، حظيت أهمّيّة تعليم الأجيال الأصغر سنًّا بتقديرٍ واهتمامٍ أكبر، وكذلك الإمكانيّات الهائلة التي أظهرها الشّباب النّاشئ على وجه الخصوص. إنّ المساعدة فيما بين النّفوس ومرافقة بعضها البعض على امتداد مسارٍ مشتركٍ وتوسيع دائرة الدّعم المتبادل باستمرار أصبح النّمط الذي تطمح إليه كافّة الجهود الرّامية إلى تطوير القدرة على الخدمة. حتّى تفاعلات الأحبّاء فيما بينهم ومع من حولهم خضعت للتّغيير نتيجة ارتقاء مستوى الوعي بقوّة المحادثات الهادفة لإيقاد القابليّات الرّوحانيّة. هذا وتبنّت الجامعات البهائيّة توجّهًا متزايدًا للانفتاح نحو المجتمع من حولهم بشكلٍ ملحوظٍ. فبإمكان أيّ نفسٍ مستجيبةٍ لرؤية الأمر البديع أن تصبح مشاركًا فاعلاً في الأنشطة التّعليميّة وجلسات الدّعاء وسائر عناصر عمليّة بناء الجامعة، بل وحتّى مروّجًا وميسّرًا لها. ومن بين هذه النّفوس يعلن الكثيرون أيضًا إيمانهم بحضرة بهاء الله. وهكذا، انبثق مفهومٌ لعمليّة الدّخول في دين الله أفواجًا أقلّ استنادًا إلى النّظريّات والفرضيّات وأكثر اعتمادًا على التّجربة الفعليّة عن كيفيّة تمكّن أعداد كبيرة من النّاس من الوصول إلى الأمر المبارك، والتّعرّف عليه، والتّوافق مع مقاصده، والانضمام إلى أنشطته ومداولاته، وفي كثير من الحالات الإيمان به. في الواقع، ومع تعزيز عمليّة المعهد في منطقةٍ تلو أخرى، نما عدد الأفراد الذين يشاركون في عمل الخطّة بسرعةٍ فائقةٍ ليشمل أيضًا أولئك الذين تعرّفوا على الأمر المبارك مؤخّرًا. إلّا أنّ الدّافع وراء كلّ هذا لم يكن مجرّد الاهتمام بالأرقام. إنّ رؤية التّحوّل الشّخصيّ والجماعيّ اللّذيْن يحدثان في الوقت ذاته، والمستندة على دراسة الكلمة الإلهيّة وتثمين مقدرة كلّ شخص لأن يصبح بطلًا من أبطال دراما روحيّة ذات أبعادٍ عميقة، قد أدّى إلى ظهور حسٍّ بمسعىً مشترك.
إنّ إحدى أهمّ السّمات الملهمة والبارزة لفترة الخمسة والعشرين عامًا هذه هي الخدمات التي قدّمها الشّباب البهائيّ بشجاعةٍ وإيمان ليحتلّوا مكانهم الصّحيح في طليعة جهود الجامعة. لقد قام الشّباب في القارّات الخمس بروحٍ من التّفاني والتّضحية على خدمة جامعاتهم كمبلّغين للأمر ومربّين للنّشء، كمرشدين متنقّلين ومهاجرين داخليّين، كمنسّقين للمجموعات الجغرافيّة وأعضاء في الوكالات البهائيّة. إنّ النّضج الذي أبدَوه، في أداء الواجبات التي يعتمد عليها تقدّم الخطّة الإلهيّة، يعبّر عن حيويّتهم ونشاطهم الرّوحانيّ والتزامهم بحماية مستقبل البشريّة. تقديرًا لهذا النّضج الجليّ بشكلٍ متزايدٍ قرّرنا تخفيض سنّ التّصويت في الانتخابات البهائيّة بعد هذا الرّضوان مباشرةً ليصبح ثمانية عشر عامًا بينما يبقى سنّ الخدمة في المحافل الرّوحانيّة واحدًا وعشرين عامًا. ولا يساورنا شكّ في أنّ الشّباب البهائيّ الذين بلغوا هذه السّنّ في كلّ مكان سوف يكونون أهلًا لثقتنا في مقدرتهم على أداء "واجبهم المقدّس" هذا الذي يُدعى إليه كلّ ناخبٍ بهائيّ، وبكلّ "إخلاص ويقظة ضمير".
*
نحن ندرك بطبيعة الحال أنّ واقع الجامعات يتفاوت تفاوتاً كبيرًا. لقد استهلّت مختلف الجامعات المركزيّة ومختلف الأماكن داخلها هذه السّلسلة من الخطط عند مراحل مختلفة من التّطوّر؛ ومنذ ذلك الحين تطوّرت بسرعات مختلفة وحقّقت مستويات مختلفة من التّقدّم. وهذا في حدّ ذاته ليس بجديد. فالظّروف في الأماكن المختلفة تتباين وكذلك درجة تقبّل النّاس. إلّا أنّنا نلاحظ أيضًا موجةً متصاعدةً من المقدرة والثّقة والخبرة المتراكمة في معظم الجامعات، يدعمها النّجاح المتحقّق في الجامعات الشّقيقة القريبة منها والبعيدة. على سبيل المثال، في حين أنّ النّفوس التي نهضت لتفتح بخدماتها منطقةًجديدةً في عام 1996 ما كانت لتفتقر إلى الشّجاعة والإيمان والتّفاني، فإنّ نظرائهم اليوم وفي كلّ مكان تجتمع فيهم الصّفات نفسها إضافةً إلى المعرفة والبصائر والمهارات التي تراكمت على مدى خمس وعشرين سنة من الجهد المبذول من قِبَل العالم البهائيّ بأسره من أجل منهجة وصقل أعمال التّوسّع والاستحكام.
بغض النّظر عن نقطة البداية، فإنّ الجامعة تدفع بعمليّة النّموّ قُدمًا عندما تجتمع فيها صفات الإيمان والمثابرة والالتزام مع الرّغبة في التّعلّم. ففي الحقيقة إنّ الإرث النّفيس لهذه السّلسلة من الخطط هو الإدراك واسع النّطاق بأنّ أيّ جهد للتّقدّم يبدأ بالتّوجّه نحو التّعلّم. إنّ هذا المبدأ ورغم بساطته تترتّب عليه تداعيات غاية في الأهمّيّة. ولا شكّ لدينا أنّ كلّ مجموعةٍ جغرافيّةٍ سوف تتقدّم مع مرور الوقت عبر السّلسلة المتّصلة من التّطوّر. إنّ الجامعات التي تقدّمت بسرعةٍ أكبر مقارنةً بتلك المشابهة لها في ظروفها وإمكانيّاتها أظهرت مقدرةً على تعزيز وحدة الفكر وتعلُّم العمل المؤثّر الفعّال، وقد فعلت ذلك دون تردّد في العمل.
إنّ الالتزام بالتّعلّم يتضمّن أيضًا الاستعداد لارتكاب الأخطاء، وبطبيعة الحال فإنّ الأخطاء تتسبّب أحيانًا بعدم الارتياح. ولا غرابة أنّ النُهُج والمقاربات الجديدة تمّ التّعامل معها بغير تمرّس في البداية بسبب نقص الخبرة، ففي بعض الأحيان ضاعت قدرةٌ جديدةٌ مكتسبة مع انشغال تلك الجامعة بتطوير قدرةٍ أخرى. إنّ النّوايا الحسنة لا تضمن عدم تعثّر الخطوات، وتخطّي الأخطاء يتطلّب التّواضع والانقطاع. فعندما تظلّ الجامعة عازمةً على التّحلّي بالصّبر والتّعلّم من الأخطاء التي تحدث بصورةٍ طبيعيّةٍ فإنّ التقدّم لن يكون بعيد المنال أبدًا.
في منتصف سلسلة الخطط أصبحت مشاركة الجامعة في حياة المجتمع محطّ اهتمامٍ مباشرٍ بشكلٍ أكبر. فقد تمّ تشجيع المؤمنين على التّفكير في ذلك من منظور مجاليْن مترابطيْن من المساعي هما العمل الاجتماعيّ والمشاركة في الحوارات السّائدة في المجتمع. هذان المجالان بالطّبع لم يكونا بديليْن لعمل التّوسّع والاستحكام، ناهيك عن تشتيت الأذهان عنه، بل كانا متأصّليْن فيه. كلّما زادت الموارد البشريّة التي يمكن للجامعة أن تستعين بها، زادت قدرتها على الاستمداد من كنوز الحكمة المكنونة في آثار حضرة بهاء الله لمواجهة تحدّيات اليوم – أي ترجمة تعاليم حضرته إلى واقعٍ ملموس. ويبدو أنّ الشّؤون المضطربة للبشريّة خلال هذه الفترة تؤكّد إلى أيّ مدىً مؤسفٍ بلغت حاجتها إلى العلاج الذي وصفه الطّبيب الإلهيّ. كلّ ذلك انطوى ضمنًا على مفهومٍ للدّين يختلف تمامًا عن المفهوم المهيمن على العالم بوجهٍ عامّ: مفهومٌ يعترف بالدّين باعتباره القوّة الفعّالة التي تدفع بحضارةٍ دائمة التّقدّم إلى الأمام. كان جليًّا أنّ حضارةً كهذه لن تظهر بشكلٍ عفويّ وبصورةٍ تلقائيّةٍ – لقد كانت مهمّة أتباع حضرة بهاء الله أن يعملوا من أجل ظهورها. مهمّةٌ كهذه استلزمت تطبيق عمليّة التّعلّم المنهجيّ ذاتها على العمل الاجتماعيّ والمشاركة في الحوارات العامّة.
نظرةٌ شاملةٌ إلى العقديْن والنّصف الماضيين تُبيّن أنّ القدرة على القيام بالعمل الاجتماعيّ قد ارتفعت بشكلٍ ملحوظٍ ممّا أدى إلى ازدهارٍ مبهرٍ للنّشاط. مقارنةً بعام 1996 عندما كان يتمّ استدامة حوالي 250 مشروعًا للتّنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة من سنةٍ إلى أخرى يوجد الآن 1,500 مشروع، كما تضاعف عدد المنظّمات التي تعمل بهدي من التّعاليم البهائيّة أربع مرّات ليتجاوز 160 منظّمة. أكثر من 70,000 مبادرة عمل اجتماعيّ قصيرة المدّة على مستوى القاعدة يتمّ الاضطلاع بها كلّ عام أي بزيادة خمسين ضعفًا. ونتطلّع إلى استمرار الارتفاع في كلّ هذه المساعي النّاتجة عن الدّعم والتّحفيز المتفانييْن اللّذَيْن تقدّمهما الآن المنظّمة البهائيّة العالميّة للتّنمية. في غضون ذلك نمت المشاركة البهائيّة في الحوارات السّائدة في المجتمع بشكلٍ هائلٍ. إلى جانب المناسبات العديدة التي يجد فيها الأحبّاء أنّ باستطاعتهم تقديم وجهة نظرٍ بهائيّة في المحادثات التي تَجري في سياق العمل أو السّياق الشّخصيّ، فإنّ المشاركة الأكثر رسميّة في الحوارات حقّقت تقدّمًا مُلفتًا للنّظر. إنّنا لا نشير فقط إلى الجهود الموسّعة بشكلٍ كبيرٍ والمساهمات رفيعة المستوى للجامعة البهائيّة العالميّة –التي أضافت في هذه الفترة مكاتب في إفريقيا وآسيا وأوروبا – بل أيضًا إلى العمل الذي تقدّمه شبكة وثيقة الاستحكام متزايدة الاتّساع من المكاتب المركزيّة للشّؤون الخارجيّة والتي أصبح العمل في هذا المجال محور تركيزها الرّئيس، بالإضافة إلى ذلك هناك مساهماتٌ ثاقبةٌ وجديرةٌ بالملاحظة قدّمها أفراد المؤمنين في مجالات محدّدة. كلّ ذلك يفسّر جانبًا من الاحترام والتّقدير والإعجاب الذي عبّر عنه قادة الفكر وغيرهم من الشّخصيّات البارزة على جميع مستويات المجتمع لهذا الأمر البديع وأتباعه وأنشطتهم مرارًا وتكرارًا.
لدى استعراض فترة الخمسة والعشرين عامًا بأكملها تأخذنا المهابة والإعجاب إزاء أشكال التّقدّم العديدة التي حقّقها العالم البهائيّ بشكلٍ متزامن. إنّ حياته الفكريّة قد ازدهرت كما يتجلّى ليس فقط من خلال التّقدّم الذي أحرزته في جميع مجالات المساعي التي تمّت مناقشتها، ولكن أيضًا من خلال حجم المؤلّفات عالية الجودة التي نشرها الكتّاب البهائيّون، ومن خلال تطوير فضاءات لاستكشاف بعض فروع المعرفة في ضوء التّعاليم المباركة، وتأثير ندوات الطلّاب الجامعيّين وخرّيجي الجامعات التي يقدّمها بشكلٍ منهجيّ "معهد دراسات الرّخاء العالميّ"، والذي يخدم حاليًّا الشّباب البهائيّ من أكثر من 100 دولة بالتّعاون مع مؤسّسات الأمر المبارك. لقد تسارعت بشكلٍ واضحٍ الجهود المبذولة لتشييد مشارق الأذكار. فقد تمّ إقامة آخر معبدٍ من أمّهات المعابد القارّيّة في سانتياغو – تشيلي والبدء في مشاريع لبناء مشرقَي أذكار مركزيّيْن وخمسة مشارق أذكارٍ محلّيّة؛ إن داريّ العبادة في باتامبانغ – كمبوديا، ونورتي ديل كاوكا – كولومبيا، قد فتحتا أبوابهما بالفعل. المعابد البهائيّة سواء ما شيّد منها حديثًا لذكر الله أو قديمًا، تحتلّ مكانةً في قلب حياة الجامعة بشكلٍ متزايد. إنّ الدّعم المادّيّ الذي قدّمه آحاد المؤمنين لعددٍ لا يُحصى من المساعي التي باشرها أحبّاء الله كان متواصلًا وغايةً في السّخاء. إنّ روح الكرم والتّضحية في تقديم التّبرعات والتي لم يستمرّ تدفّقها فحسب بل ازداد إبّان فترة شهدت أزمةً اقتصاديّةً كبرى تُعتبر مقياسًا غايةً في الوضوح للحيويّة الرّوحانيّة الجماعيّة. في الشّأن الإداريّ البهائيّ، تعزّزت قدرة المحافل الرّوحانيّة المركزيّة على إدارة شؤون جامعاتهم بكلّ تعقيداتها المتزايدة بشكلٍ ملحوظ. لقد غَنِموا بصورةٍ خاصّةٍ من مستويات أعلى وجديدة من التّعاون مع المشاورين الذين لعبوا دورًا فعّالًا في تنظيم عمليّة جمع الرّؤى والبصائر من مستوى القاعدة في جميع أنحاء العالم وضمان نشرها على نطاق واسع. إنّها أيضًا الفترة التي ظهر فيها المجلس الإقليميّ البهائيّ كمؤسّسة مكتملة الأركان للأمر البديع، لقد اثبتت المجالس البالغ عددها الآن 230 مجلسًا والمعاهد التّدريبيّة التّابعة لها أنْ لا غنى عنها لدفع عمليّة النّموّ قُدُمًا. في عام 2005 تمّ إنشاء هيئة أمناء حقوق الله العالميّة من أجل ديمومة مهامّ كبير أمناء حقوق الله – أيادي أمر الله علي محمّد ورقاء، وهي تقوم اليوم بتنسيق جهود ما لا يقلّ عن 33 هيئة مركزيّة وإقليميّة للأمناء المنتشرين الآن حول العالم، والتي بدورها تُوجّه عملَ أكثر من 1,000 ممثّل. كثيرةٌ هي التّطوّرات التي حدثت في المركز البهائيّ العالميّ خلال الفترة نفسها والشّاهدة على: الانتهاء من مدرّجات المقام الأعلى وإنشاء مبنيَيْن على القوس، وبدء تشييد مقام حضرة عبد البهاء، ناهيك عن مشاريع عديدةٍ أخرى لتعزيز الأماكن المقدّسة البهائيّة التي لا تقدّر بثمن والحفاظ عليها. ولقد تمّ إدراج الرّوضة المباركة والمقام الأعلى ضمن مواقع التّراث العالميّ اعترافًا بكونهما أماكن ذات أهمّيّةٍ بالغةٍ للبشريّة. توافَد مئات الآلاف من الجمهور على تلك الأماكن المقدّسة، وقاربت الأعداد مليون ونصف المليون في بعض السّنوات، واستقبل المركز العالميّ بانتظام مئات الحجّاج في آنٍ واحد، وأحيانًا أكثر من 5,000 حاجّ في السّنة إلى جانب عددٍ مماثل من الزوّار البهائيّين، إنّ سعادتنا بارتفاع هذه الأرقام لا تقلّ عن ابتهاجنا بعشرات الأمم والشّعوب المتنوّعة الذين حظي ممثّلوهم بشرف الحجّ. تمّ تسريع ترجمة ونشر وتوزيع الآثار المقدّسة بشكلٍ كبيرٍ أيضًا وذلك بالموازاة مع تطوير مكتبة المراجع البهائيّة، وهي واحدة من أبرز أعضاء الأسرة المتنامية لمواقع الشّبكة الالكترونيّة المرتبطة بـ Bahai.org المتاحة الآن بعشر لغات. تمّ إنشاء مجموعة متنوّعة من المكاتب والوكالات في المركز العالميّ وفي أماكن أخرى وهي مكلَّفة بدعم عملية التّعلّم الآخذة بالتّكشّف وتشمل مجالات متعدّدة من المساعي في شتّى أنحاء العالم البهائيّ. كلّ هذا أخواتنا وإخوتنا المؤمنين ليس سوى نبذة يسيرة من الحكاية التي تروي ثمرات إخلاصكم لمن هو "مظلوم العالمين". إنّه لا يسعنا إلّا أن نردّد الكلمات المؤثّرة التي نطق بها حضرة المولى المحبوب ذات مرّة إذ غلبته المشاعر الجيّاشة فهتف عاليًا: "يا بهاء الله! ماذا فعلت؟"
*
من استعراض مشهدٍ شاملٍ لربع قرنٍ محوريٍّ حاسمٍ نوجّه تركيزنا الآن إلى خطّة السّنوات الخمس الأخيرة، وهي خطّةٌ تختلف تمامًا عن أيّة خطّة سبقتها من نواحٍ عديدة. في هذه الخطّة قمنا بِحثّ واستنهاض البهائيّين في العالم على الاستفادة من كلّ ما تعلّموه في السّنوات العشرين الماضية ووضعه موضع التّنفيذ الكامل. ويسعدنا أنّ ما تحقّق تعدّى سقف آمالنا، فبينما نتوقّع أمورًا عظيمةً من أتباع الجمال المبارك بطبيعة الحال، إلّا أنّ سمةَ وطابعَ ما تمّ تحقيقه من خلال جهودهم الجبّارة كان مدهشًا حقًّا. لقد جاء تتويجًا لإنجازٍ مدّته خمسة وعشرين عامًا.
إنّها خطةٌ ستبقى في الذّاكرة على وجه الخصوص لأنّها انقسمت إلى ثلاث فتراتٍ بفضل حلول مناسبتيْن مقدّستيْن هما الاحتفال بذكرى المئويّتيْن اللّتيْن حفّزتا الجامعات المحلّيّة في جميع أنحاء العالم. لقد أظهر معشر المؤمنين المخلصين الأوفياء، وعلى مستوى لم يسبق له مثيل وبسهولةٍ نسبيّةٍ، القدرة على إشراك النّاس من جميع شرائح المجتمع في تكريم حياة مظهرين إلهيّين. كان ذلك مؤشّرًا قويًّا لأمرٍ أعمَّ وأوسع هو: القدرة على توجيه الطّاقات الرّوحية الهائلة المُنطلقة من أجل تقدّم الأمر الأعظم. بلغت روعة الاستجابة في العديد من الأماكن مبلغًا أسفر عن خروج الأمر المبارك من المجهوليّة على مستوى البلاد. في الأماكن التي كان تَقبُّل الأمر فيها غير متوقَّع أو ربّما مفاجئًا غدا التّقبّل الملحوظ للأمر واضحًا. آلافٌ وآلافٌ وآلاف انتعشت أرواحهم بتلمّسهم روح التّعبّد التي هي اليوم سمة مميّزة للجامعات البهائيّة في كلّ مكان. لقد اتّسعت رؤية الجامعة لما يمكن تحقيقه من خلال إحياء الأعياد والأيّام المحرّمة البهائيّة بشكلٍ يفوق التّصوّر.
إنّ إنجازاتِ الخطّة من النّاحية العدديّة سرعان ما فاقت إنجازاتِ جميع الخطط التي سبقتها منذ عام 1996. في مستهلّ هذه الخطّة سمحت المقدرة الموجودة لعقد ما يزيد قليلًا عن 100,000 نشاطٍ أساسيّ في وقتٍ واحد، مقدرةٌ هي ثمرة عشرين عامًا من الجهد المشترك. الآن يجري استدامة 300,000 نشاطٍ أساسيّ في آنٍ واحد. وقد زاد عدد المشاركين في هذه الأنشطة ليتجاوز مليوني شخص، زيادة تقارب الثّلاثة أضعاف. هناك 329 معهدًا تدريبيًّا مركزيًّا وإقليميًّا قيد العمل، ومن الشّواهد على قدرتها أنّ ثلاثة أرباع مليون شخص تمكّنوا من إكمال كتابٍ واحدٍ على الأقلّ من سلسلة الدّورات، وإجمالًا فقد بلغ عدد الدّورات التي أكملها الأفراد الآن مليوني دورة أيضًا – وهو ارتفاع يفوق الثّلث خلال فترة خمس سنوات.
إنّ الكثافة المتزايدة للعمل في برامج النّموّ حول العالم تروي قصّةً رائعةً خاصّةً بها. في فترة السّنوات الخمس هذه كنّا قد دعونا إلى تسريع النّموّ في كلّ مجموعة جغرافيّة من المجموعات الـ5,000 التي بدأ فيها. هذه الضّرورة الملحّة أصبحت دافعًا لبذل جهود جادّة في جميع أنحاء العالم. ونتيجة لذلك، تجاوز عدد البرامج المكثّفة للنّموّ الضّعف حتى الآن ليناهز 4,000 برنامج. الصّعوبات التي واجهت شروع العمل في قُرى وأحياء جديدة في خِضَمِّ أزمةٍ صحّيّة عالميّة، أو توسيع الأنشطة التي كانت في مرحلةٍ مبكّرة عند بدء الجائحة حالت دون الوصول إلى عددٍ أعلى خلال العام الأخير من الخطّة. إلّا أنّ هناك المزيد ممّا يجدر قوله. لقد أعربنا في بداية الخطّة عن الأمل في أن يزداد عدد المجموعات الجغرافية التي اجتاز فيها الأحبّاء المعلم الثّالث على طول سلسلة متّصلة من النّمو بعدّة مئات أخرى كنتيجة لتعلّم كيفيّة التّرحيب بأعداد كبيرة واحتضانهم في الأنشطة. كان المجموع آنذاك حوالي 200 مجموعة جغرافيّة موزّعة على قرابة 40 بلدًا. بعد خمس سنوات ارتفع هذا الرّقم بنحوٍ مذهل إلى 1,000 مجموعة جغرافيّة في نحو 100 بلد – أي ربع البرامج المكثّفة للنّموّ في العالم وهو إنجاز فاق توقّعاتنا بكثير. ومع ذلك فحتّى هذه الأرقام لا تعكس حقيقة الذّرى التي بلغتها الجامعة. هناك أكثر من 30 مجموعة جغرافيّة يتجاوز فيها عدد الأنشطة الأساسيّة التي يتمّ استدامتها 1,000 نشاط؛ في بعض الأماكن يصل المجموع إلى عدّة آلاف يشارك فيها أكثر من 20,000 شخصٍ في مجموعة جغرافيّة واحدة. عدد متزايد من المحافل الرّوحانيّة المحلّيّة تشرف الآن على تنفيذ البرامج التّعليميّة التي تلبّي احتياجات جميع الأطفال والشّباب النّاشئ في القرية تقريبًا، والواقع نفسه بدأ يبرز في عددٍ من الأحياء الحضريّة. إنّ الارتباط والتّفاعل مع أمر حضرة بهاء الله في حالات جديرة بالذّكر تجاوز الأفراد والعائلات والأسر الممتدّة – إنّ ما يُشاهَد هو حركة السّكّان نحو مركزٍ مشترك. في ثَمّة أحيان يتمّ تجاوز العداوات القديمة بين الفئات المتخاصمة، وتتغيّر بعض الهياكل والقوى الاجتماعية في ضوء التّعاليم الإلهيّة.
لا يسعنا إلّا الشّعور ببهجةٍ غامرة لما تمّ إحرازه من تقدّم مثير للإعجاب. إنّ قوّة بناء المجتمع الكامنة في أمر حضرة بهاء الله تتجلّى بمزيد من الوضوح، وهذا أساسٌ راسخٌ ستُبنى عليه خطّة السّنوات التّسع القادمة. لقد أثبتت المجموعات الجغرافيّة التي تتّسم بالقوّة، كما كان مأمولًا، أنّها مستودعات من المعرفة والموارد لجيرانها، والمناطق التي يوجد بها أكثر من مجموعة جغرافيّة كهذه قامت بتطوير الوسائل لتسريع النّموّ في مجموعةٍ تلو أخرى بسهولةٍ أكبر. وبناءً عليه فإنّ من الضّروري أن نؤكّد مرّة أخرى بأنّ التّقدّم يكاد يكون عموميًّا، والفرق بين مكانٍ وآخر هو في درجة التّقدّم. لقد ارتقى إدراك الجامعة الجمعيّ لعمليّة الدّخول في دين الله أفواجًا وازدادت ثقتها في قدرتها على تحفيز هذه العمليّة في ظلّ أيّة مجموعة من الظّروف إلى مستوياتٍ لم يكن من الممكن تصوّرها في العقود الماضية. الأسئلة العميقة التي كانت تلوح لفترة طويلة، والتي تمّ التّركيز عليها بشدّة في عام 1996، تمّت الإجابة عليها بشكلٍ مقنع من قِبَل العالم البهائي. هنالك جيلٌ من المؤمنين تحمل حياتهم بِرُمّتها بصمةَ تقدّم الجامعة ورقيّها، إلّا أنّ مدى ما تمّ إحرازه في تلك المجموعات الجغرافيّة العديدة التي تدفع آفاق التّعلّم قُدمًا قد حوّل التّقدّم الهائل في عمليّة الدّخول في دين الله أفواجًا إلى واقعة عظيمة ذات أبعاد تاريخيّة.
لا شكّ بأنّ الكثيرين منكم على درايةٍ بكيفيّة تقسيم حضرة وليّ أمر الله عصورَ الأمر الإلهيّ إلى عهودٍ متتالية. لقد بدأ العهد الخامس من عصر التّكوين في عام 2001. أمّا ما لا يُعرف كثيرًا هو أنّ حضرته أشار بوجهٍ خاصّ إلى وجود عهود للخطّة الإلهيّة أيضًا، ووجود مراحلَ لتلك العهود. هذه الخطّة التي وضع حضرة عبد البهاء تصوّرها الأساسيّ ظلّت معلّقةً لمدّة عقدين من الزّمان إلى حين تأسيس وتقوية الهيئات المحلّيّة والمركزيّة للنّظم الإداريّ وتمّ تدشينها رسميًّا في عام 1937 مع بدء المرحلة الأولى من عهدها الأول: وهي خطّة السّنوات السّبع التي أسندها حضرة وليّ أمر الله إلى الجامعة البهائيّة في أمريكا الشّمالية. وقد اختُتم العهد الأوّل ذاك بختام خطة السّنوات العشر في عام 1963، والذي أسفر عن إعلاء راية الأمر المبارك على امتداد المعمورة. المرحلة الافتتاحيّة للعهد الثّاني تمّت بتدشين خطّة السّنوات التّسع الأولى، تبعها ما لا يقلّ عن عشر خطط تراوحت مدّتها بين اثني عشر شهرًا وسبع سنوات. في فجر هذا العهد الثّاني، كان العالم البهائيّ يشهد بالفعل باكورة البدايات لعمليّة الدّخول في دين الله أفواجًا والتي تنبّأ بها مُبدع الخطّة الإلهيّة. في العقود التّالية سعت أجيالٌ من المؤمنين المخلصين داخل جامعة الاسم الأعظم جاهدةً بالعمل في الكرْم الإلهيّ من أجل تهيئة الظّروف المطلوبة لنموٍّ مستدامٍ واسع النّطاق. كم هي جمّةٌ وجنيّةٌ ثمار تلك الجهود المُضنية في هذا الرّضوان البهيّ! إنّ ظاهرة مشاركة أعداد كبيرة في نشاطات الجامعة المتزايدة، واتّقاد جذوة الإيمان في قلوبهم، وسرعة قيامهم على الخدمة في طليعة الخطّة قد تحوّلت من كونها توقّعًا نابعًا من الإيمان، إلى واقع يستجدّ ويتكرّر. مثل هذا التّقدّم الواضح المشهود ينبغي أن يُسطَّر في سجل تاريخ الأمر البديع. بقلوبٍ تغمرها البهجة نعلن استهلال العهد الثّالث من الخطّة الإلهيّة لحضرة عبد البهاء. مرحلةً تلو مرحلة، عهدًا بعد عهد، تتكشّف خطّته المباركة، إلى أن تستضيء كلّ القلوب بأنوار الملكوت.
*
أحبّتنا الأعزّاء، لن يكتمل استعراض مشروع السّنوات الخمس الذي ختم العهد الثّاني من الخطّة الإلهيّة بدون إشارةٍ خاصّةٍ إلى الاضطرابات التي رافقت سنتها الأخيرة والمستمرّة حتى الآن. كان بإمكان القيود المفروضة على التّفاعل الشّخصيّ خلال هذه الفترة والتي تأرجحت بين تشديدٍ وتخفيفٍ في معظم البلدان أن تكون بمثابة ضربةٍ قاسيةٍ للجهود الجماعيّة للجامعة قد يستغرق التّعافي منها سنوات، ولكن هناك سببان حالا دون ذلك. أحدهما كان وعي البهائيّين على نطاقٍ واسعٍ بواجبهم تجاه خدمة البشر، ولا وقت أدعى لذلك من أوقات المصائب والآفات. والآخر كان الارتفاع الهائل في مقدرة العالم البهائيّ على التّعبير عن هذا الوعي. على مدى سنوات عديدة اعتاد الأحبّاء على تبنّي أنماط من العمل المنهجيّ، وقد وظّفوا إبداعهم وحسّهم بالهدف للتّعامل مع أزمةٍ طارئةٍ، فيما ضمِنوا اتّساقَ وتوافقِ المقاربات الجديدة التي طوّروها مع إطار العمل الذي جاهدوا على مدى الخطط المتعاقبة لإتقانه. هذا لا يعني تجاهل المصاعب الخطيرة التي يعاني منها البهائيّون شأنهم شأن سائر مواطنيهم في كلّ بلد، إلّا أنّ المؤمنين ظلّوا محافظين على التّركيز خلال الصّعوبات الشّديدة. لقد تمّ توجيه الموارد إلى الجامعات المحتاجة، وجرت الانتخابات حيثما أمكن، وفي جميع الظّروف والأحوال واصلت مؤسّسات الأمر أداء واجباتها. بل تمّ اتّخاذ خطوات جريئة للمضيّ قُدمًا. سوف يُعاد تأسيس المحفل الرّوحانيّ المركزيّ لساو تومي وپرينسيپي في هذا الرّضوان، وسوف يرتفع ركنان جديدان من أركان بيت العدل الأعظم هما: المحفل الرّوحانيّ المركزيّ لكرواتيا ومقرّه في زغرب، والمحفل الرّوحانيّ المركزيّ لتيمور الشّرقيّة ومقرّه في ديلي.
وهكذا تبدأ خطّة السّنة الواحدة. وقد تمّ بالفعل تحديد هدفها ومتطلّباتها في رسالتنا التي وجّهناها إليكم في يوم الميثاق؛ هذه الخطّة رغم كونها موجزة تكفي لإعداد العالم البهائيّ لخطّة السّنوات التّسع التي ستتبعها. تلك الفترةَ الزّاخرةَ بقوى استثنائيّة والتي افتُتحت بعد مائة عام من نزول ألواح الخطّة الإلهيّة، ستُختتَم قريبًا مع الذّكرى المئويّة لصعود حضرة عبد البهاء إيذانًا بنهاية القرن الأوّل من عصر التّكوين وبداية القرن الثّاني. يدخل مَعاشر المؤمنين الخطّةَ الجديدة هذه في وقتٍ تبدو فيه البشريّةُ التي تنبّهت لضعفها وهشاشتها أكثر وعيًا بالحاجة إلى التّعاون لمواجهة التّحدّيات العالميّة. وعلى الرّغم من ازدياد أعداد أفراد المجتمع الذين يُبدون بأقوالهم وأفعالهم مدى توقهم إلى قبولٍ أكبرٍ للوحدة المتأصّلة في الإنسانيّة، فإنّ العادات البالية من قبيل التّنافس والتّعصّب وتغليب المصلحة الذّاتيّة والانغلاق الفكريّ ما زالت تعيق الحركة نحو الوحدة والاتّحاد. نسأل الله أن تتوفّق الأمم والشّعوب في تنحية خلافاتها جانبًا من أجل الصّالح العام. وعلى الرّغم من الغموض الذي يكتنف الأشهر القادمة فإنّنا نتضرّع إلى جمال القدم راجين مزيد تأييداته المستمرّة التي لطالما شملت أتباعه، حتى تستطيعوا المضيّ قُدمًا لأداء مهمّتكم، ولا يختلّ اتّزانكم ورباطة جأشكم باضطراب عالمٍ تشتدّ حاجته إلى درياقه الأعظم أكثر من أيّ وقتٍ مضى.
الخطّة الإلهيّة تدخل عهدًا جديدًا ومرحلةً جديدةً. الصّفحةُ طُويَت.
انتهى عامٌ حافلٌ من الإعداد وال تأ مل وال تد بر فضلاً عن جه د حثيث، عامٌ تم يز بمساعي الأح باء في جميع أنحاء العالم تخليدًا لذكرى مئو ية صعود حضرة عبد البهاء الى ال رفيق الأعلى، وا لتي تض منت ايفاد مندوبين للمشاركة في حد ث خاصٍّ اقُيم في الأرض المق دسة اجلالًً وتكريمًا له . لقد كانت حياة حضرة عبد البهاء، من خلال تلك المساعي المبذولة، مصدر الها م لأعداد لً تُحصى من ال نفوس وليس للبهائ يين فحسب . ا ن اهتمامه بك ل فر د من أفراد الًُسرة الإنسان ية، ومساعيه ال تبليغ ية، وترويجه للمشاريع ال تعليميةِ وتعزيز ال رخاء الًجتماع ي، و اسهاماته الجوهر ية في الحوارات ال سائدة في ال شرق وفي الغرب، وتحفيزه القلب ي ال صادق لمشاريع بناء مشارق الأذكار، وتشكيله لل نماذج المبكرة لل نظم الإدار ي البهائ ي، وقيامه برعاية جوانبَ متن وع ة من حياة الجامعة – جميع هذه الأوجه ال تكامل ية لحياته كانت انعكاسًا لتفانيه ال تا م والمتواصل في خدمة الخالق وخدمة البشر . علاوةً على كونه شخص يةً شامخةً من حيث السُّلطة الأخلاق ية والبصيرة ال روحان ي ة الفائقة، كان عبد البهاء بمثابة قنا ة نق ي ة م كنت القوى التي أطلقتها رسالة حضرة بهاء الله من ال نفوذ وال تأثير في العالم . لإدراك وفهم ق وة بناء المجتمع الكامنة في الأمر الإله ي، لً يحتاج المرء لأن ينظر الى أبعد من انجازات حضرة عبد البهاء أثناء فترة ولًيته و الى آثار هداياته المُق لبَة؛ تلك التي انسابت من قلمه بلا انقطاع . ا ن الكثير من ال تط ورات ال رائعة التي ح ققتها الجامعة البهائ ية في الوقت الحاضر والتي ت م استعراضها في رسالتنا المو جهة لكم في ال رضوان المُنصرم تعود أصولها الى أفعال عبد البهاء وقراراته وتوجيهاته.
كم هو جديرٌ اذنْ أن يأتي تجليل الجامعة البهائ ية الجماع ي لِمَثَلها الأعلى استهلالًً لتدشين مشرو ع عظيم يرتكز على اطلاق قوى بناء المجتمع الكامنة في الأمر المبارك بدرجا ت متعاظمة . ا ن مجالًت المساعي التي تقع ضمن نطاق خ طة ال سنوات ال تسع وسلسلة الخطط الحال ية مو جهة نحو تحقيق هذا الهدف الأسمى. ا نه أيضًا محورُ أكثرَ من 000.10 مؤتم ر يُ عقد في جميع أنحاء العالم احتفالًً بتدشين هذا المشروع ال روحان ي ال عظيم. هذهالمؤتمرات التي من المتوقع أن تستقبل أعدادًا غير مسبوقة من المشاركين لً تض م بهائ يين فقط و ا نما آخرين أيضًام م ن ينشدون الخير للإنسان ية ويشاركونهم ال توق لإرساء الوحدة وتحسين العالم . ا ن عزمهم الراسخ و احساسهمالقو ي بالهدف المنشود ينعكس في ال روح التي تو لدت في ال لقاءات التي انعقدت بالفعل حيث ت م تحفيزالمشاركين من خلال المشاورات ال ديناميك ية التي ساهموا فيها وكذلك ال رؤية الجماع ية التي ت م سبرها واستكشافها في هذه المناسبات المُبهجة . ا ننا نتط لع بشغ ف لما ستجلبه الأشهر وال سنوات القادمة.
منذ أن و جهنا رسالتنا المؤ رخة في 30 كانون الأ ول/ديسمبر 2021 الى مؤتمر المشاورين، باشرت المحافل ال روحان ية المركز ية والمجالس البهائ ية الإقليم ية العمل بج د ي ة على تقييم امكان يات تكثيف عمل ية ال نم و خلال خطة ال سنوات ال تسع في المجموعات الجغراف ي ة الواقعة ضمن نطاق ادارتها. ومن أجل قياس ال تق دم المُحرز بمرور الوقت، نشعر أ نه سيكون من المُجدي ال نظر الى الخ طة باعتبارها تتك شف على مرحلتين م دتهما أربع وخمس سنوات . وقد دُعيت المحافل المركز ية الى ال نظر في ال تق دم الذي يتو قعون مشاهدته في جامعاتهم بحلول رضوان 2026 ومن ث م بحلول رضوان 2031. هذا ال تمرين شمل أيضًا اعادة تقييم حدود المجموعات الجغراف ية، وحصيلة هذه ال تعديلات هي ارتفاع العدد الإجمال ي للمجموعات الجغراف ية في العالم بمقدار ال ربع ليتجاوز الآن 000.22.
بناءً على ال تقديرات الواردة فمن ا لمتو قع بحلول نهاية الخ طة، أن يكون هناك برنامج لل نم و عند ثَمَةِ مستوى من ال تق دم في حوالي 000.14 مجموعة جغراف ية . من بينها، يُتو قع أن يرتفع عدد المجموعات التي يمكن اعتبار برنامج ال نم و فيها مك ثفًا الى 000.11 خلال نفس الفترة ال زمن ي ة. ومن بين هذه ، من المتو قع أن يرتفع عدد المجموعات الجغراف ية التي يكون قد ت م فيها اجتياز المعلم ال ثالث الى ما يربو عن 000.5 مجموعة بحلول عام 2031. لً ش ك أ ن تحقيق مثل هذا ال تق دم سوف يستلزم جهدًا ج بارًا طوال الم دة ال زمن ية للخ طة، ومع ذلك نجد أ ن تلك تطلعاتٌ جديرةٌ بال سعي الحثيث لتحقيقها لأ نها تم ثل تقييمًا طموحًا وجادًّا لما هو في المتناول .
ما سبق يعني الكثير . تلكم الأهداف لً يمكن تص و رها بشك ل عمل ي ما لم تكن المؤ س سات الإدار ي ة ووكالًتها قد تط و رت بنح و جل ي يمنحها قدرة متزايدة بشك ل ملحوظ على ادارة شؤون جامع ة تضاعفت نشاطاتها بسرع ة فائقة ،واحتضن ت عددًا كبيرًا ومتزايدًا من ال ن فوس ال ط يبة . ولً يمكن ال ت ط ل ع الى نموٍّ كهذا ما لم تكن ال ر غبة في ال ت ع لم – في العمل، في المراجعة وال تقييم ، في استخلاص البصائر، وفي استيعاب البصائر المكتسبة في أماكن أخرى – قد ت م ت رعايتها على جميع المستويات لتصل الى مستوى القاعدة في الجامعة. كما أ ن الجهد الذي تنطوي عليه مثل هذه ال ت و ق عات سيكون بالكاد ممكنً ا ان لم تكن قد تج ل ت على نح و متزايد مقاربةٌ منهج يةٌ للعمل ال ت بليغ ي و لتنمية الموارد البشر ي ة في العالم البهائ ي . ك ل ذلك أ دى الى تق دم وعي الجامعة البهائ ية بهو يتها وهدفها .
ا ن الإصرار والمثابرة على تو ج ه للانفتاح نحو المجتمع من حولهم في عمل ية بناء الجامعة بات جانبًا راسخًا منالث قافة في العديد والعديد من الأماكن؛ ا نه ازدهر الآن في عد د مت زاي د من الجامعات ليصل الى شعور بالمسؤول يةالحقيق ية تجاه ال تق دم ال روحان ي والما د ي لمجموعات أكبر وأكبر داخل المجتمع، متجاوزة أعضاء المجتمع البهائ ينفسه . ا ن جهود الأح باء لبناء المجتمعات، والًنخراط في العمل الًجتماع ي، والمساهمة في الحوارات ال سائد ةفي المجتمع قد انسجمت والتحمت في مشروع عالم ي واحد، وارتبطت معًا بواسطة اطار عمل مشترك ير كز على مساعدة الإنسان ية في ارساء شؤونها على أساس المبادئ ال روحان ية . لً يمكن ال تغاضي عن أهمية ال تطورات التي وصفناها والتي وصلت الى هذه ال نقطة بعد مائة عام من ت دشين ال نظم الإدار ي . ا ن في الًرتفاع الهائل الحاصل في القدرات خلال العقدين الماضيين – والذي أتاح للعالم البهائي أن يعاين مساعيه من حيث اطلاق ق وة بناء المجتمع الكامنة في الأمر الأعظم – نرى أد لةً لً جدال فيها على أ ن أمر الله قد ولج العهد ال سادس من عصره ال تكوين ي . لقد أعل نا في ال رضوان الماضي أ ن ال ظاهرة واسعة الًنتشار المتم ثلة في وجود أعداد كبيرة من المشاركين في ال نشاطات البهائ ية، وم من اشتعلت قلوبهم بالإيمان، وم من اكتسبوا المهارات والقدرات لخدمة مجتمعاتهم، تشير الى أ ن العهد ال ث الث من الخ طة ا لإله ية لحضرة عبد البهاء قد بدأ . وهكذا، فإ ن خ طة ال سنة الواحدة، في بدايتها آنذاك وفي نهايتها الآن جاءت لتَسِم مجموعةً من الإنجازات ال تاريخ ية التي تح ققت بواسطة المؤمنين الأوفياء. وعلى عتبة مشروع ج بار جديد، يقف هذا البنيان المو حد من المؤمنين على اهُْ بَة الًستعداد لًغتنام الإمكان يات المشرَعة أمامه على مصاريعها .
من ال س مات البارزة للعهد الذي ينصرم الآن تشييد آخر مشرق أذكا ر قا ر ي وبدء مشاريعَ لإنشاء مشا رق الأذكار على المستويين المركز ي والمح ل ي . لقد تع ل م البهائ ي ون في جميع أنحاء العالم الكثير حول مفهوم مشرق الأذكار وتجسيده لمبدأ ا قتران العبادة بالخدمة . خلال العهد ال س ادس من عصر ال ت كوين ، سيت م تع ل م المزيد عن المسار الذي يبدأ من تنمية حياة تع بد ية مزدهرة داخل الجامعة – وما تلهمه من أعمال الخدمة – ويُفضي الى ظهور مشرق الأذكار. لقد بدأت المشاورات مع مختلف المحافل ال ر وحان ي ة المركز ي ة، ومع استمرارها سنعلن بشك ل دور ي عن الأماكن التي س تقام فيها مشا رق الأذكار في ال سنوات المقبلة .
ا ن سعادتنا برؤية جامعة الًسم الأعظم وهي تنتقل من ق وة الى أخرى يح دها حزننا العميق لرؤية تداوم ال ظروف واستمرار ال صراعات التي تخلق البؤس والمعاناة ال شديدة في العالم - وعلى وجه الخصوص لملاحظة عودة القوى المد مرة التي أ دت الى اضطراب ال شؤون ال دول ية م ما جلبت الأهوال التي تعصف بال شعوب . نحن نعلم تمامًا ومطمئ نون، بأ نه وك ما أثبتت الجامعات البهائ ية مرارًا في العديد من ال سياقات المختلفة، أ ن أتباع الًسم الأعظم ملتزمون بتقديم الإغاثة وال دعم لمن حولهم، بغ ض ال نظر عن مدى صعوبة ظروفهم الخا صة . ولكن الى أن تتع هد البشر ية جمعاء بإرساء شؤونها على أسس العدل والح ق، فإ ن مصيرها للأسف هو ال تر نح من أزم ة الىأخرى . ان كان هناك ث مة درو س للمستقبل يمكن أن تُستخلص من اندلًع الحرب مؤ خرًا في أوروبا فإ ننا ندعو اللهأن تكون بمثابة تذكي ر عاج ل بالمسار الذي يجب على العالم أن يسلكه اذا ما كان له أن يحقق سلامًا حقيقيًّاودائمًا . لع ل المبادئ التي أعلنها حضرة بهاء الله للملوك وال رؤساء في عصره، والمسؤول يات الجسيمة التي ك لفبها الح كام في الماضي والحاضر هي أوثق صلةً وأكثر ضرورةً اليوم م ما كانت عليه عندما س جلها قلمه لأ ول م رة .
بال نسبة للبهائ يين، فإ ن ال تق دم الحتم ي للخ طة الإله ية الكبرى – التي و ان كانت تجلب معها المحن والًضطرابات، ولك نها في نهاية المطاف تدفع البشر ية نحو العدالة وال سلام والوحدة – هو ال سياق الذي من خلاله تتك شف الخطة الإله ية ال صغرى التي يعكف عليها المؤمنون في الأساس . ا ن حالة القصور والخلل التي تعتري المجتمع المعاصر تجعل الحاجة الى اطلاق ق وة بناء المجتمع الكامنة في أمر الله جل ية ومُل حة للغاية . في الوقت الحالي لً يسعنا سوى أن نتو قع استمرار الًضطرابات وال تش نجات في العالم؛ ولً مراء أ نكم ستق درون اذن لماذا ك ل دعاءٍ خال ص نتو جه به الى الله لخلاص كا فة أبنائه من الحيرة والمش قة المريرة يقترن بالمثل بال دعاء القلب ي لنجاح ما تَسْدونه أنتم من خدمة تشت د الحاجة اليها في سبيل أمر من هو أمير ال سلام وراعيه .
في ك ل مجموع ة جغراف ية تكتسب فيها أنشطة الخ طة زخمًا نلاحظ تط ور جامعات تتح لى بالخصائص ال نبيلة التي أتينا على وصفها في رسالة 30 كانون الأ ول/ديسمبر 2021. اذ بينما تعاني المجتمعات من مختلف أنواع ال ضغوط يجب أن يبرز ما يتح لى به أتباع الجمال الأبهى بشك ل متزايد من سجا يا ال ثبات والعقلان ية، ورفعة سلوكهم والتزامهم بالمبدأ، وما يتب دى عليهم جليًّا من شفقة ورحمة، وتج رد وانقطاع، وصبر وتح مل في سعيهم نحو تحقيق الوحدة والً تحاد . ا ن ال سمات والمواقف المم يزة التي أبداها المؤمنون في فترات المصاعب ال شديدة دفعت ال ناس الم رة تلو الأخرى الى ال لجوء الى البهائ يين بحثًا عن ال تفسير والمشورة وال دعم، خاصةً عندما تخت ل حياة المجتمع بسبب الأخطار والًضطرابات غير المتو قعة . ا ننا اذ نشاطركم هذه الملاحظات فإ ننا نعي بأ ن الجامعة البهائ ية نفسها تواجه أيضًا تأثيرات قوى الهدم ال سائدة في العالم . علاوة على ذلك نحن ندرك أ نه ك لما زادت جهود الأحباء لنشر الكلمة الإله ية ازدادت القوى المعاكسة التي سيواجهونها عاجلًا أم آجلًا من ش تى الجهات .
يجب عليهم أن يق ووا ويح صنوا عقولهم وأرواحهم لمواجهة الًمتحانات الآتية بال تأكيد، لئلا تض ر بسلامة ونزاهة مساعيهم . بَيد أ ن المؤمنين يعلمون ج يدًا أ ن العواصف القادمة مهما تكن عاتية فإ ن سفينة أمر الله تضاهي جميعها .
لقد شهدت مراحل رحلتها المُتعاقبة قدرتها على ال صمود أمام تلك العواصف وتجاوز أمواجها العاتية . ا نها الآن تُبحِر نحو أف ق جديد، وتأييدات ا ل ر ب القدير ا نما هي ه بات ال ريح التي تملأ أشرعتها وتدفع بها نحو وجهتها، والعهد والميثاق هو ال نجم الذي تسير على هداه ليحافظ على ال سفينة المق دسة في مسارها المع ين المحتوم . عسى أن تغدق جنود ال سموات بركاتها على جميع من يبحرون على متنها .
فرحةٌ كُبرى تغمُرنا ونحن نخاطبُ جامعةً تتلاءم مقاصدها النّبيلة وهمّتها العالية مع دعوتها السّامية. كم هو عظيمٌ بل كم هو غايةٌ في العظمة حبّنا لكم، وكم تتسامى أرواحُنا ونحن نشاهد مساعيكم الصّادقة المخلصة من أجل أن تعيشوا حياةً شكّلتها تعاليم حضرة بهاء الله، ومن أجل أن تَسقوا من كوثر ظهوره عالمًا يتلوّى ظمأً. إنّ إحساسكم القويّ بالهدف المنشود واضحٌ للعيان. التّوسّع والاستحكام، والعمل الاجتماعيّ، والمشاركة في حوارات المجتمع تتقدّم بوتيرةٍ حثيثة، والاتّساق الطّبيعيّ لهذه المهامّ على مستوى المجموعة الجغرافيّة أصبح أكثر جلاءً من أيّ وقتٍ مضى. لا مكان يتجلّى فيه هذا الأمر أكثر من تلك الأماكن التي تنخرط فيها أعدادٌ متزايدةٌ في مجموعةٍ من مساعٍ تُعَدّ كلٌ منها وسيلةً لإطلاق قوّة بناء المجتمع الكامنة في الأمر المبارك.
لقد كان من دواعي سرورنا في إثني عشر شهرًا التي انقضت منذ تدشين خطّة السّنوات التّسع، أن نرى كيف أنّ هذا المشروع العالميّ ألهم وحفّز الأحبّاء وأعطى زخمًا لخطوط عمل محدّدة. لقد انصبّ التّركيز الفوريّ على تنفيذ الخطط التي تضمن على الأقلّ بروز مجموعةٍ جغرافيّةٍ واحدةٍ تجاوزت المعلم الثّالث في كلّ بلدٍ وإقليمٍ: مكانٌ يعمل فيه أعدادٌ كبيرةٌ من النّاس معًا ويساهمون في إحياء جامعةٍ نابضةٍ بالحركة والنّشاط. ولوعي المؤمنين بأنّ الهدف خلال فترة خمسة وعشرين عامًا هذه هو تأسيس برنامج نموّ مكثّف في كلّ مجموعةٍ جغرافيّةٍ حول العالم فقد شرعوا أيضًا في فتح مجموعاتٍ جغرافيّةٍ جديدةٍ للأمر المبارك فضلًا عن تكثيف جهودهم في الأماكن التي يوجد بها برنامج للنّموّ. هنالك إدراكٌ متزايدٌ بالفرصة المتاحة للمهاجرين لتلبية النّداء في جميع أنحاء العالم – إنّ العديد من النّفوس المخلصة يتفكّرون في كيفية استجابتهم لهذه الفرصة، وآخرون عديدون قد هاجروا بالفعل إلى الأهداف المحدّدة على صعيد الهجرة الدّاخليّة بشكلٍ ملحوظٍ، وعلى الصّعيد الدّوليّ أيضًا بوتيرةٍ متزايدة. هذه واحدة من عدّة طرقٍ يتمّ من خلالها التّعبير عن روح الدّعم المتبادل من قبل الأحبّاء في كلّ مكان، كما كنّا نأمل. إنّ الجامعات التي تمّ بناء القدرة فيها ألزمت نفسها بدعم التّقدّم الذي يتمّ إحرازه في مكانٍ آخر – مجموعةً جغرافيّة كانَ، أو إقليمًا، أو بلدًا أو حتّى قارّة أخرى. وتمّ إيجاد طرقٍ مبتكرةٍ للتّشجيع عن بُعد وإتاحة مشاركة الخبرة بشكلٍ مباشرٍ. في الوقت نفسه، فإنّ النّهج الأساسيّ المتمثّل في استخلاص ما يتمّ تعلّمه في مجموعةٍ جغرافيّةٍ بحيث يمكن أن تضفي معرفةً لسائر الخطط الموضوعة محلّيًّا وفي أماكن أخرى، يُمارَس على نطاقٍ واسعٍ. إنّه لمن دواعي سرورنا وامتناننا أن نرى إيلاء عنايةٍ خاصّةٍ لتعلّم كيفيّة تعزيز جودة التّجربة التّعليميّة التي يقدّمها المعهد. عندما تتجذّر عمليّة المعهد التّدريبيّ في جامعة ما فإنّ تأثيراتها تكون هائلة. شاهدوا على سبيل المثال تلك المراكز من النّشاط المكثّف حيث أصبح السّكّان يعتبرون المعهد التّدريبيّ أداةً قويّةً تخصّهم جميعًا: أداة تولَّوا المسؤوليّة الرّئيسيّة عن تطوّرها السّليم. إنّ المؤمنين لعلمهم جيّدًا بأنّ أبواب أمر الله مشرعة على مصراعيها دائمًا، يتعلّمون كيفّية تشجيع أولئك المستعدّين للدّخول في ظلّه. إنّ السّير قُدُمًا مع تلك النّفوس، ومساعدتهم في اجتياز العتبة لهو منقبة وسعادة، وهناك الكثير ممّا يجب تعلّمه ضمن أيّ سياقٍ ثقافيّ حول القوى المحرّكة للحظة الإيمان والانتماء المقلّبة للقلوب. وليس هذا كلّ ما في الأمر. فبينما لا زال الكثير من المساعي المبذولة للمساهمة في التّحوّل المجتمعيّ في مراحلها المبكرة في العديد من المجموعات الجغرافيّة، فإنّ المحافل الرّوحانيّة المركزيّة تسعى جاهدةً لتعلّم المزيد حول كيفيّة انبثاق هذه الجهود من خلال عمليّة بناء الجامعة، يدعمهم في ذلك المشاورون بكفاءة واقتدار كما هو ديدنهم. المناقشات حول رفاه النّاس اجتماعيًّا ومادّيًّا جاريةٌ ضمن مجموعات من العائلات وفي الجامعات، بينما يجد الأحبّاء أيضًا طرقًا للمشاركة في حوارات هادفة تتكشّف في محيطهم المباشر.
من بين كلّ ما جرى وصفه، يتألّق ما قام به الشّباب جليًّا واضحًا. فهم وبمنأى من أن يكونوا مجرّد متلقّين سلبيّين للتّأثير – سواء كان التّأثير حميدًا أو غير ذلك – أثبتوا أنّهم نصراء شجعان وفطنون للخطّة. وأنّه حيثما نظرت إليهم الجامعةُ من هذا المنظور وخلقت ظروفًا لتقدّمهم، أبدى الشّباب جدارةً تفوق الثّقة التي مُنحت لهم. إنّهم يبلّغون الأمر لأصدقائهم، ويجعلون الخدمة أساسًا لصداقات هادفة ذات معنى. وغالبًا ما تأخذ مثل هذه الخدمة شكل تعليم من هم أصغر سنًّا منهم، حيث لا يقدّمون لهم التّربية الأخلاقيّة والرّوحانيّة فحسب، بل كثيرًا ما يساعدونهم في تعليمهم المدرسيّ أيضًا. إنّ الشّباب البهائيّ بتحمّلهم المسؤوليّة المقدّسة المتمثّلة في تعزيز عمليّة المعهد إنّما يحقّقون آمالًا عزيزةً على قلوبنا.
إنّ هذه المساعي تحدث على خلفيّة عصرٍ مضطرب للغاية، هناك اعترافٌ على نطاقٍ واسعٍ بأنّ هياكل المجتمع في الوقت الحاضر غير مهيّأة لتلبية احتياجات البشريّة في معاناتها الحاليّة. كثير ممّا كان من المفترض على نطاقٍ واسعٍ أن يكون مؤكّدًا لا يتزعزع، يتمّ التّشكيك فيه، والهياج النّاتج عن ذلك يؤدّي إلى التّوق إلى رؤية موحّدة. جوقة الأصوات التي تصدح دعمًا للوحدة والمساواة والعدالة تُظهر مدى مشاركة العديد من النّاس في هذه التّطلّعات لمجتمعاتهم. بطبيعة الحال، ليس من المستغرب لأتباع الجمال المبارك أنّ القلوب تشتاق إلى المُثل الرّوحيّة التي جاء بها، بيد أنّه من المدهش، في سنة قلّما كانت آفاق التّقدّم الجماعيّ للبشريّة أشدّ قتامةً وكآبة، أن نرى نور الأمر المبارك قد أشرق بتألّقٍ مذهلٍ في أكثر من 10,000 مؤتمر حضره ما يقرب من مليون ونصف المليون شخصٍ، مُرَكِّزًا على سبل تعزيز المُثل ذاتها. إنّ رؤية حضرة بهاء الله وحثَّه البشريةَ على العمل متّحدين من أجل إصلاح العالم كانت المركز الذي اجتمعت حوله عناصر متنوّعة من المجتمع بشوقٍ وشغف – ولا غرو في ذلك، فكما بيّن حضرة عبد البهاء: "كلّ فرقةٍ من الفرق في العالم الإنسانيّ ترى نهاية آمالها موجودةً في هذه التّعاليم السّماويّة". في البداية قد ينجذب البعض ممّن يتمنّون الخير للإنسانيّة إلى الجامعة البهائيّة كملاذٍ آمنٍ وملجإٍ يؤوون إليه من عالم مستقطبٍ مشلولٍ. بيد أنّ ما هو أسمى من مجرّد مأوى، أنّهم يجدون نفوسًا خيّرةً مُحبّةً تعمل معًا لبناء العالم من جديد.
هنالك الكثير ممّا يمكن كتابته عن الانتشار الجغرافيّ للمؤتمرات، والزّخم غير العاديّ الذي قدّمته للخطّة الجديدة، أو التّعابير القلبيّة التي صيغت من قِبَل أولئك الذين حضروها إظهارًا للفرح والحماس اللّذين أثارتهما. ولكنّنا في هذه الأسطر القلائل نودّ أن نلفت الانتباه إلى مدلولاتها حول التّطوّر الحاصل في الأمر المبارك. لقد كانت تلك المؤتمرات انعكاسًا لجامعة بهائيّة ترى وشائج التّقارب وليس بواعث الاختلاف. إنّ هذه الرّؤية الرّحبة جعلت استكشاف خطّة السّنوات التّسع أمرًا طبيعيًّا في اجتماعاتٍ كان الجميع فيها موضع التّرحيب. لقد تدارس الأحبّاء تأثيرات الخطّة على مجتمعاتهم ليس بالمشاركة مع الأفراد والعائلات فحسب، ولكن مع القادة المحلّيّين والمسؤولين أيضًا. إنّ جمع أعداد كبيرة من النّاس في مكانٍ واحدٍ خلق الظّروف المواتية لإجراء محادثة حول التّقدّم الرّوحيّ والاجتماعيّ تؤدّي الى تغييرٍ جذريّ، محادثة تتكشّف في جميع أرجاء العالم. إنّ المساهمة الخاصّة التي يمكن أن تقدّمها مثل هذه اللّقاءات – المنفتحة والهادفة والمنعشة للأرواح في آنٍ واحدٍ – إلى نمطٍ متّسعٍ من تنمية الجامعة في مجموعةٍ جغرافيّةٍ هي درسٌ ثمينٌ على المؤسّسات البهائيّة أن تضعه في اعتبارها للمستقبل.
وهكذا يدخل معشر المؤمنين الأوفياء السّنة الثّانية من الخطّة بمنظورٍ جديدٍ ورؤيٍة متعمّقةٍ لأهمّيّة ما يسعون إلى تحقيقه. كم تبدو الأفعال مختلفة عندما يُنظر إليها في ضوء قوّة بناء المجتمع التي تطلقها! هذه الرّؤية الواسعة المدى تسمح أن يُنظَر إلى نشاطٍ مستدامٍ على أنّه أسمى بكثير من مجرّد خدمةٍ منعزلةٍ أو مجرّد أرقام وبيانات. إنّ المبادرات التي يتمّ تنفيذها في مكانٍ تلو الآخر تكشف عن سكّانٍ يتعلّمون كيفيّة تحمّل مسؤوليّةٍ متزايدةٍ لاستكشاف طريق تطوّرهم. يتجلّى التّحوّل الرّوحيّ والاجتماعيّ النّاتج في حياة النّاس بطرقٍ متعدّدة، ففي سلسلة الخطط السّابقة يمكن رؤيته بشكلٍ جليّ في تعزيز التّربية الرّوحانيّة والعبادة الجماعيّة. في هذه السّلسلة الجديدة من الخطط ينبغي إيلاء اهتمامٍ متزايدٍ لعملياتٍ أخرى تسعى إلى تحسين حياة أيّة جامعة – على سبيل المثال من خلال تحسين الصّحّة العامّة أو حماية البيئة أو الاعتماد على قوّة الفنون بشكلٍ أكثر تأثيرًا وفاعليّة. المطلوب لجميع هذه الجوانب المكمّلة لرخاء المجتمع هو بالطّبع القدرة على الانخراط في التّعلّم المنهجيّ في كافّة هذه المجالات، وهي قدرة تعتمد على البصائر المُستقاة من التّعاليم المباركة والمخزون المتراكم من المعرفة البشريّة المتولّدة من خلال البحث العلميّ. ومع نموّ هذه القدرة سيتمّ انجاز الكثير على مدى العقود القادمة.
هذه الرّؤية الموسّعة لبناء المجتمع لها آثار بعيدة المدى، وكلّ جامعة تسير في طريقها الخاصّ نحو تحقيقها. ولكن غالبًا ما يكون للتّقدّم في مكانٍ ما سمات مشتركة مع التّقدّم في مكانٍ آخر. إحدى السّمات هي أنّه مع ازدياد قدرة الجامعة المحلّيّة أو المركزيّة وبتضاعف قواها، وعندما تحين السّاعة، فإنّ الشّروط اللّازمة لإيجاد مشرق الأذكار حسب ما ورد في رسالتنا لرضوان 2012 سوف تُستوفى في نهاية المطاف. كما بيّنّا في رسالتنا إليكم في الرّضوان الماضي سنحدّد بشكلٍ دوريّ الأماكن التي سوف يُقام فيها بنيان مشرق الأذكار. في هذا الوقت يسعدنا أن ندعو إلى تشييد مشارق أذكار محلّيّة في كلٍّ من كانتشانپور Kanchanpur في نيبال، ومونيلونغا Mwinilunga في زامبيا. كما ندعو إلى تشييد مشرق أذكارٍ مركزيّ في كندا على مقربة من حظيرة القدس المركزيّة القديمة التّأسيس في تورنتو. هذه المشاريع وغيرها ممّا ستبدأ في المستقبل سوف تستفيد من الدّعم المقدّم من الأحبّاء في كلّ مكانٍ إلى صندوق مشارق الأذكار.
كم هي مدرارةٌ البركات التي اختار الرّبّ البَرّ الودود أن ينعم بها على أحبّائه، كم هي ساميةٌ المُهمّة، كم هو بهيٌّ أفقُ التّطلّعات، كم هي ملحَّةٌ الأوقاتُ التي دُعينا للخدمةِ فيها. وعليه فإنّ دعواتنا لدى عتبة حضرة المحبوب نيابةً عنكم ومن أجل مساعيكم المبذولة بلا كللٍ؛ متّقدةٌ شوقًا وحماسًا.
مرّت سنتان من سني مسعى السّنوات التّسع الهائل مسرعة، وبعزم تناول أحبّاء الله أهدافه من صميم قلوبهم. هناك في جميع أنحاء العالم البهائيّ عمقٌ متزايدٌ في الفهم حول ما هو مطلوب لمواصلة توسيع عمليّة بناء الجامعة وإحداث تحوّل اجتماعيّ عميق. ولكن مع كلّ يومٍ يمرّ نرى أيضًا أنّ أوضاع العالم تزداد بؤسًا وانقساماته تشتدّ حدّة. إنّ التّوتّرات المتصاعدة داخل المجتمعات وبين الأمم تؤثّر على الشّعوب والأماكن بطرق لا تعدّ ولا تحصى.
إنّ أمرًا كهذا يتطلّب ردًّا واعيًا من كلّ صاحب ضميرٍ حيّ. إنّنا ندرك تمامًا أنّ جامعة الاسم الأعظم ليست بمنأى عن التّأثّر بمتاعب المجتمع وآلامه، مع ذلك ورغم تأثّرها بهذه المصاعب إلّا أنّها لا يمتلكها الحيرة والارتباك. إنّها تحزن لمعاناة البشريّة وآلامها ولكنّها لا تضعف ولا تُشَّل بسببها. إنّ الاهتمام الصّادق المخلص لا بدّ أن يدفع بقوّة إلى بذل جهدٍ متواصل لبناء جامعات تبعث الأمل بدلًا من اليأس، والوحدة عوضًا عن الصّراع.
لقد وصف حضرة شوقي أفندي بوضوح كيف أنّ عمليّة "التّدهور المتزايد في الشّؤون الإنسانيّة" توازيها عمليّة أخرى، ألا وهي عمليّة التّكامل والبناء، الّتي من خلالها يتمّ تشييد "سفينة نجاة البشريّة"، وهي "الملاذ الأخير" للمجتمع. إنّه لمن دواعي سرورنا أن نرى، في كلّ بلد وإقليم، ممارسين حقيقيّين للسّلام منشغلين ببناء هذا الملاذـ نرى ذلك في قصّة كلّ قلبٍ اشتعل بمحبّة الله، في عائلةٍ تفتح بيتها لأصدقاء جدد، في متعاونين يعتمدون على تعاليم حضرة بهاء الله لمعالجة مشكلة اجتماعيّة، في جامعةٍ تعزّز ثقافة الدّعم المتبادل، في حيٍّ أو قريةٍ تتعلّم بدء واستدامة الأعمال والأنشطة اللّازمة لتقدّمها الرّوحانيّ والمادّيّ، في ثَمَّ مكانٍ ينعم بانبثاق محفلٍ روحانيٍّ جديدٍ فيه.
إنّ أساليب الخطّة وأدواتها تتيح لكلّ نفسٍ المساهمة بنصيبٍ ممّا تحتاجه البشريّة في يومنا هذا. وبعيدًا عن تقديم مرهمٍ مؤقّت لعلل اللّحظة وآلامها، فإنّ نفاذ الخطّة هو الوسيلة الّتي يتمّ من خلالها إطلاق عمليّات بنّاءة طويلة المدى تتكشّف عبر الأجيال في كلّ مجتمع. كلّ هذا يشير إلى نتيجة ملحّة لا مناص منها: يجب أن يكون هناك ارتفاع مطّرد وسريع في عدد أولئك الّذين يكرّسون وقتهم، وطاقتهم، وتركيزهم، من أجل نجاح هذا العمل.
أين يمكن للعالم أن يجد رؤيةً رحيبةً بما يكفي لتوحيد كافّة عناصره المتنوّعة المتباينة سوى في مبدأ وحدة الجنس البشريّ لحضرة بهاء الله؟ بأيّة طريقة يستطيع العالم أن يعالج الصّدوع والفجوات الاجتماعيّة الّتي تقسّمه وتفكّكه سوى ترجمة هذه الرّؤية إلى نظمٍ يقوم على مبدأ الوحدة في التّنوّع؟ ومَن سواكم يمكن أن يكون بمثابة الخميرة الّتي بفضلها تتمكّن شعوب العالم من اكتشاف طريقةٍ جديدةٍ للحياة، وسبيلٍ إلى سلامٍ مستدام؟ إذن مدّوا للجميع يد الصّداقة، والمسعى المشترك، والتّشارك في الخدمة، والتّعلّم الجماعيّ، وتقدّموا كنفسٍ واحدة.
نحن ندرك مدى الحيويّة والقوّة الّتي تتولّد في أيّ مجتمع استيقظ شبابه على رؤية حضرة بهاء الله ليصبحوا نصراء الخطّة الإلهيّة. فكم هائل مقدار ما يستلزم الشّباب البهائيّ من الرّأفة والشّجاعة والاعتماد الكامل على الله ليعقدوا العزم على التّواصل مع أقرانهم وإشراكهم في هذه المهمّة! يجب على الجميع أن يهبّوا، لكن الشّباب عليهم أن يحلّقوا.
ما تمليه اللّحظة الملحّة الرّاهنة يجب ألّا تحجب البهجة الخاصّة النّابعة من الخدمة. إنّ الدّعوة إلى الخدمة نداء يسمو بالرّوح ويشمل الجميع. إنّه يجذب كلّ نفس مؤمنة مخلصة حتّى أولئك الّذين أثقلتهم الهموم والالتزامات. لأنّ في جميع الشّؤون الّتي تَشغَل تلك النّفس المؤمنة يمكن اكتشاف ولاءٍ راسخ واهتمام دائم بخير ورفاه الآخرين. مثل تلك السّجايا تمنح الاتّساق لحياة ذات مطالب متنوّعة عديدة. وأحلى اللّحظات جميعها بالنّسبة لأيّ قلب مشتعل هي تلك الّتي تمضي برفقة أخوات وإخوة روحانيّين في خدمة ورعاية مجتمع يحتاج إلى قوتٍ روحانيّ.
في الأعتاب المقدّسة العليا وبقلوب فائضة بالمحبّة نرفع آيات الشّكر والامتنان إلى مقام حضرة بهاء الله على أن أقامكم ودرّبكم في مسالكه، ونبتهل إليه أن يغدق عليكم عميم بركاته.
إذ أوشك عامٌ واحدٌ على الانقضاء قبل أن يُسدل السّتار على المرحلة الأولى من خطّة السّنوات التّسع، يملؤنا الشّوق للإبلاغ عن التّقدّم الّذي أُحرز: فعبر مساعيكم النّبيلة تملأ الرّؤية الّتي يقدّمها الأمر المبارك المزيد والمزيد من القلوب بنور الأمل.
تواصل عمليّة النّموّ تقدّمها. لقد تحقّقت إنجازات باهرة في أرجاء مختلفة لم تشهد من قبل تقدّمًا ملحوظًا، حيث نمت بذرة الأمر المبارك وأزهرت براعم خضراء جديدة، وبدأت القدرة على العمل مع العديد من النّفوس في آنٍ واحدٍ في الظّهور. غالبًا ما تحقّقت هذه الإنجازات بفضل المهاجرين المخلصين الّذين اشتعلت قلوبهم بنار محبّة بارئهم فسرعوا إلى أماكن هجرتهم داخل بلدانهم وخارجها بأعدادٍ مثيرة للإعجاب. في المجموعات الجغرافيّة الّتي بدأ فيها برنامج النّموّ، تجدّد الاهتمام بكلّ مهارةٍ وابتكارٍ بتطبيق تلك الاستراتيجيّات وخطوط العمل الّتي أثبتت نجاعتها ممّا سيمكّن الأحبّاء من اجتياز المَعلَمين الثّاني والثّالث. وفي المجموعات الجغرافيّة ذات القدرات المشهودة، تحتضن مجموعة متنامية من النّفوس المنجذبة نمطًا نابضًا من الحياة البهائيّة مقلّبًا للقلوب, فغدت بوادر قوّة بناء المجتمع الكامنة في الأمر المبارك أكثر وضوحًا.
وفي الوقت نفسه حقّقت المشاركة مع المجتمع في مستوى القاعدة خطوات مذهلة إلى الأمام. لقد تضاعفت بوتيرةٍ أسرع مبادرات الجامعة للعمل الاجتماعيّ الّتي تركّز على التّعليم، بيد أنّ المبادرات الأخرى قد تقدّمت أيضًا في مجالات مثل الزّراعة والصّحّة والبيئة وتمكين المرأة والفنون. إنّ تطوّرات من هذا القبيل تتجلّى بوضوح في المجموعات الجغرافيّة الأقوى، فتصبح العديد من القر ى أو الأحياء، بل وحتّى شارع واحد أو مبنى ذو كثافة سكّانيّة عالية، موطنًا لسكانٍ يعيشون حالة من النّهوض والرّقيّ النّاتج عن ترجمة مبادئ الأمر المبارك إلى واقع ملموس. في بعض الأماكن، لا يقتصر الأمر على رجوع القادة المدنيّين والمسؤولين المحلّيّين عن تعليم الأطفال أو التّنمية الاجتماعيّة إلى البهائيّين لاستلهام وجهات نظرهم، بل يسعون أيضًا للتّعاون معهم في البحث عن حلول عمليّة. علاوة على ذلك، يسعدنا أن نر ى أنّ النّهج البهائيّ تجاه بعض الحوارات الهامّة يجذب اهتمامًا وإعجابًا متزايدين على المستويين الوطنيّ والدّوليّ .
تعتمد خطّة السّنوات التّسع على عمليّة تعلّم عالميّة واسعة النّطاق، تتجلّى بفاعليّة في مرتفعات بوليفيا كما في ضواحي سيدني. لقد أدّت عمليّة التّعلّم هذه إلى بلورة استراتيجيّات وأفعال قابلة للتّكيّف مع كلّ بيئة. إنّها منهجيّة؛ إنّها عضويّة؛ إنّها شاملة للجميع. إنّها تخلق روابط تتحوّل إلى علاقات ديناميكيّة بين العائلات، وبين الجيران، وبين الشّباب، وبين كلّ من هم مستعدّون ليكونوا نصراء في هذا المسعى المجيد. إنّها تُنش ئ جامعات تزخر بالإمكانات. إنّها تمكّن من تحقيق تطلّعاتٍ ساميةٍ يتشارك فيها النّاس الّذين ف رّقتهم الجغرافيا أو اللّغة أو الثّقافة أو الظّروف الاجتماعيّة، ولكنّهم الآن قد سمعوا واستجابوا
لنداء حضرة بهاء الله للعموم بأن "يلتفتوا إلى تدبير أمور بعضهم البعض بكمال الجدّ والاجتهاد". وهي تعتمد بالكامل على قوّة كلمة الله المحفّزة، تلك "القوّة الموحّدة"، "المحرّكة للنّفوس والضّابطة الرّابطة للعالم الإنسانيّ"، وعلى العمل المستمرّ الّذي تلهمه.
أمام كآبة سماءٍ عاصفة، كم هو ساطع النّور الّذي يتلألأ من جهودكم المخلصة! حتّى مع اشتداد العواصف في العالم، فإنّ مساعيكم في البلدان والأقاليم والمجموعات الجغرافيّة هي بمثابة الملاذات الّتي ستؤوي البشريّة. ولكن هناك الكثير ممّا يجب القيام به. لكلّ جامعة مركزيّة توقّعاتها الخاصّة للتّقدّم الّذي يجب إحرازه خلال هذه المرحلة الأولى من الخطّة. الوقت يمض ي سريعًا. أيّها الأحباء الأعزّاء، والمروّجون للتّعاليم الإلهيّة، وفرسان أمر الجمال الأبهى الأشاوس، إنّ جهودكم ضروريّة الآن. كلّ تقدّم يُحرز في الأشهر السّريعة الزّوال قبل الرّضوان القادم سيُعِدُّ جامعة الاسم الأعظم بشكلٍ أفضل لما يجب تحقيقه في المرحلة الثّانية من الخطّة الإلهيّة. نتمنّى لكم النّجاح والفلاح. من أجل هذا نلتمس من الله العليّ القدير متضرّعين إليه سائلين مدده العميم؛ من أجل هذا نبتهل إليه ليبعث ملائكته المقرّبين لنص رتكم أجمعين .